في هذه الآيات بعد أن بَيّن الله إهلاك القرى الكافرة نفى عن نفسه ? فعل اللعب في خلق السموات والأرض، فيكون إذًا مقصد الوجود هو إجراء حركة الوجود بالبقاء والزوال على أساس الإيمان، فالخلق إنما وجد على وجه الجد، ولا يكون كذلك إلا أن يكون الإيمان هو علة البقاء، ولذلك يقول رسول الله (:(( لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ يَقُولُ: اللَّه ) )، إذ بانتهاء الإيمان من قلوب الناس يعني انتهاء مقصد الوجود، وهذا الانتهاء يعني أن يصبح الناس مجرد دواب لا يحققون رضى الله تعالى وفرحه، ولا يتحقق فيهم قوله تعالى للملائكة: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ (، فتعذيب الله الكافرين في الدنيا بسبب كفرهم، وابتلاء المؤمنين وصبرهم في ميدان المدافعة يمنع عبثية الوجود، ولذلك فقيام المؤمنون بأمر الله يعني تحقق أعظم مقاصد الخلق كما قال تعالى: (وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ (، ولأجل هذا المعنى قال الله عقب هذه الآيات: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (؛ فالتدافع بين الحق والباطل، ثم غلبة الحق وانتصاره لما فيه من قوة ذاتية يمنع معاني الشر التي تطرأ على النفوس الجاهلية أن الحياة الدنيا مجرد لهو ولعب.
هذا هو مقصد الوجود الأول، وهو تحقق التدافع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر، ولهذا المقصد أنزلتالكتب، وأرسلت الرسل، وقامت أقدار الأسواق من الابتلاء التي هي عنوان الوجود منذ أول يوم فيه وإلى قيام الساعة، ثم على وفق هذا الاختيار الإنساني بين صف الإيمان وصف الكفر تكون العاقبة في الآخرة، حيث الرحمة والنعمة والرضوان، أو الغضب والسخط والنيران.
وغياب التدافع على أساس الإيمان، يعني غياب التمايز، وانتهاء البلاء، ومحو شرائع الرحمن، ثمّ المصير إلى كون الناس حالة واحدة، وحيث لا رسول بعد مُحَمَّد (فيكون نهاية الوجود لانتهاء مقاصد الله تعالى فيه.
وقوله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ (، هو منع عبثية الحياة، وتحولها إلى لهو ولعب، ولذلك أرسل الله الرسل ليقذفوا بالحق باطل الجاهلية، وأمرهم وأتباعهم بالصبر، وحضهم على مواجهتها بما في وسعهم حتى لو بالكلمات، ومن خلال هذا الصبر وهذه المواجهة يتحقق النصر الإلهي لهم بإهلاك عدوهم ونجاتهم بما معهم من إيمان وصبر، فتسري الروح في الوجود، وتصبح للحياة معنى ربانيًا تستحق أن تذكر وتشكر، فتنزل الملائكة بالروح والصبر والتأييد، كما تنزل بالعذاب والتدمير والترويع، فيفرح الرب لفعل المؤمن، كما يغضب لفعل الكافر، ويكون بذلك للجنة أهل كما للنار أهل.