فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 198

فوجود قذائف الحق التي تدفع الباطل هي التي تمنع الباطل من الظهور والغلبة والإستمرار، وهي قذائف العلم الرباني، وقذائف الأمر التكويني، وقذائف الطوائف المجاهدة، إذ لولا هي لتحقق ما قاله تعالى: (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (، ولولا قذائف الحق لكان الأمر كما قال ?: (فَلَوْلا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلا قَلِيلا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ ? وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (.

فقذائف الحق مع قلتها هي التي تمنع إهلاك القرى، وقذائف الحق لا تكون كذلك إلا بأن تفرق بين مؤمن وكافر، وبين مهتد وضال، وبين صالح ومفسد، وهي بجلائها هذا، وبوضوحها في عدم الخلط بين مفاهيم الإيمان والكفر، ولا بين طوائف الإيمان وطوائف الكفر يتحقق لها مقصدها في قوله تعالى: (فَيَدْمَغُهُ (، وحين يغيب عنها الحق، وذلك باختلاط الحق والباطل، والظلمة والنور، والهدى والهوى فإن مقصدها يضعف أو يزول، ولا يكون بهذا نصر جلي، ولا هزيمة جلية، بل يعيش الناس في كنف الظلمة أو ما يشبهها، كما لا يقع الوعد الإلهي بالنصر والتأييد.

وقوله: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ (يعني أن الحق قذيفة، فهو لا يتسلل خجلًا، ولا يأتي مداهنًا، ولا يناور خبثًا، بل هو نور يذهب الظلمة، وحين يأتي إنما يأتي صدعًا كما قال تعالى: (فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ (، وهو بقوته إنما يأتي بقذف الله تعالى له، فهو قذيفة الله ضد الباطل، وبهذا الصدع والقذف يتحقق زوال الباطل فيدفع، والدفع هو وصول الشجة إلى دماغ المضروب، وإن كانت كذلك أذهبته، لأنها تصل إلى عمقه وقراره، وكذلك هو الحق، وعمله الذي يلائم قذف الله له أن يذهب روح الباطل، ويزهق روحه، لا أن يعايشه ويساكنه، ولا أن يداهنه وينافقه، فهذه علاقة الحق مع الباطل علمًا وعملًا ووجودًا.

والحق في الوجود إنما هو رجلٌ وأُمَّة، وجماعةٌ وفئة، كما أن الباطل كذلك، فحين يقذف الله الحق على الباطل إنما يعني أن يرسل الرسل ليواجهوا رجال الباطل، ويبعث البعوث ليقاتلوا عصائب الكفر كما قال تعالى: (فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنذَرِينَ (، إذ الصراع بين قذائف الحق وركام الجاهلية ليس حرب كلمات، ولا مناظرات أفواه ثم يصير كل قوم إلى فئتهم، فإن أهل الحق لو فعلوا هذا فإن الباطل لن يرضاه كما قال قوم لوط: (أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (، فالنجاسة لا تقبل الطهر، حتى ولو جهل أهل الإيمان هذا كما هو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت