حال أهل عصرنا، وإن من سُنّة الله تعالى أن يقيم بين الحق والباطل بغضًا وكراهية لا يقبل أحدهما بالآخر، وأمّا الرضى فلن يكون إلا كما قال تعالى: (وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (وكما قال تعالى لرسوله (: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (.
إذًا هي علاقةٌ بين قذيفة الحق التي تشج الباطل حتى نهايته وتزهق روحه، وحين يبقى فيه شيء من الروح يعني أن الحق لم ينجز كل مهمته، وسيدفع عنه هذا الخطأ دمًا وألمًا وحسرة، وهذا ما وقع في بعض حلقات التاريخ الإسلامي، حين رضي التعايش مع الباطل انخداعًا بدعوته للتسامح، واستجابة للأكاذيب والنفاق، فما أن حانت الفرصة لباطل حتى أعمل عمله، وامتشق سيف باطله فأهلك الحرب والنسل، وأفسد العباد والبلاد، ولعل أعظم جناية وقع فيها المسلمون المعاصرون هي ما تُسمّى بالتحالفات، حيث انخدعوا بالشعارات ثم استحالت عليهم عذابًا وألمًا، وسجونًا وقتلًا. فالحق التام يعني أن ينجز كل مهمته، وهي ازهاق روح الباطل، فهذه علامة الحق، وهي الحاكمة عليه، وهذه المهمة هي التي تجعل أهل الحق أكثر الناس بلاءً، لأن هذه المهمة لا يقوى عليها إلا من حمل الحق بلا مداهنة، وقال كلمته كما قال الأنبياء في هذه السورة: (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (، أو كقولهم كما في سورة سبأ: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (، وأمّا غير الأنبياء ووراثهم فإنهم حين يرضون بالمساكنة والمشاركة؛ أي المداهنة، فإنهم ليسوا قذيفة الحق، وليسوا هم أهل البلاء الذين يتحقق بهم النصر والتأييد، وطول الطريق هذا، ثم عدم الوصول إلى أهداف الإيمان بهزيمة الباطل وتحقق النصر للحق إنما سببه إفراغ الحق عن مهمته، وقبوله المسح على الرؤوس بدل شجها، وبمحاولة حملة الدين التوفيق بين شريعة الرحمن وشريعة الجاهلية، ولذلك طالت الطريق، وامتنع نزول النصر مع الكثرة من المنتسبين للدين والعمل له، وأمّا الطائفة المنصورة فهي نخبة قد اقتصر عملها على إقامة الحجة، وتحقيق انتصارات جزئية هنا وهناك تعليمًا للناس أن هذا هو الطريق، وأن هذا هو السبيل، وحين تدخل الأُمَّة في سبيلها يكون النصر، ويتحقق إزهاق الباطل الذي يرجوه الناس منذ زمن.
وقوله تعالى: (وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (ما يناسب سياق الآيات في الوصف الذي يستحق الويل والتكذيب هو قولهم: إن الله خلق الكون عبثًا، وهذا القول يدخل فيه كل معاني الباطل التي تقدم ذكرها، وأعظمها ملائمة لهذا السياق هو إفراغ الحق عن معناه، ونزع التدافع بين الإيمان والكفر، وتفسير حركة الوجود بلا علة الإيمان وفاعليته فيه، فإن هذا هو الوصف الباطل الذي نسبوه لله تعالى.