فهرس الكتاب

الصفحة 62 من 198

ومن تفكر في هذا علم أن قول الجاهلين أن الإيمان يجمع ولا يفرق، أو أنه يمنع التدافع إنما هو قول فاسد وأعظم ما فيه اتهام لله تعالى في حكمة الوجود، لأن مؤدّاه إبطال معنى إرسال الرسل وإنزال الكتب، كما أن عاقبته إلغاء الجنة والنار، إذ لا ضرورة لحسنة ولا سيئة، كما أن فيه تجريد الإيمان عن الابتلاء، وبه؛ أي التجريد يتم تعطيل الإيمان من النصر والتمكين.

قوله تعالى: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ? يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ [1] (

معنى هذه الآيات في هذا السياق هو المعنى الذي رد الله تعالى فيه على الملائكة في الحوار الذي جرى عندما أخبر الله تعالى ملائكته بخلق آدم فقال ?: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (، فالملائكة - عليهم السلام - لم يعلموا ابتداءً حكمة الرب في وجود هذا الإنسان المريد المختار، وهم لعلمهم بربهم يعلمون أن الله يحب الحمد والذكر، كما أنه يحب إخبات وتسبيح المخلوقات لله لأنه ? العزيز المتكبر كما في الحديث القدسي: الْعِزُّ إِزَارِي، وَالْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي. وهم؛ أي الملائكة يقومون بهذا على حال واحد لا يتخلف كما قالوا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ (، وقد خفي عليهم حكمة خلق الإنسان المريد المختار، حيث يقع في الوجود الإنساني العابد الذاكر المسبّح المطيع، ويقع فيه الغافل العاصي المعرض، ولهذا السوق ترسل الرسل وتنزل الكتب، ولعلة الإيمان أو غيابه تسير أقدار الوجود البشري كله، ثم تكون العاقبة بعد ذلك في جنان خالدين فيها أبدًا أو في نار خالدين فيها أبدًا.

هذا المعنى من وجود مؤمنٍ وكافر، وما يقع بينهما من تدافع، فيصبر المؤمن، ويثبت، ويبذل نفسه وروحه وماله وجسده في سبيل الله فيفرح الرب ويرضى ويضحك، ويكفر الآخر فيظلم ويغفل ثم يقع به الهلاك لوقوع غضب الله تعالى، فتتحقق بهذا الوجود وقائع أسمائه وصفاته، فإنها وإن كانت لا بداية لها، فالله ? الأول الذي لا شيء قبله، وهي؛ أي صفاته كذلك، لكن الأمر أن تتحقق معانيها من خلال هذا الإفتراق الإنساني حول الإيمان، فيقع اسم الله المنتقم، كما يقع اسمه الرحمن الرحيم، وكذا أسماؤه الغفار كما صفاته من فرح وضحك وغضب، وغير ذلك من أسماء وصفات يذكرها الله تعالى في كتابه فواصل الآيات القرآنية عقب خلقه وأمره جل في علاه يعلمها أهل العلم بالقرآن، ويعلمون مناسبتها لما تقدم من ذكر الأمر أو الخلق.

(1) الأنبياء: 19 - 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت