فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 198

هذا الافتراق بين مؤمنٍ وكافر ثم ما يجري الله تعالى لهذا الأمر من شرائع، وما يفعله من أقدار هو مقصد الوجود، وهو الذي يمنع عبثية الوجود وجريانه على معنى اللهو واللعب، ويخلو هذا المعنى من الإفتراق وما يترتب عليه من شرائع وأقدار فإن الله ? غني عنه، فإنه ? عنده ما ذكره في هذه الآيات، وهو ما ذكرته الملائكة عند استفسارها عن المعنى من ربها ? فقال جلَّ في علاه: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ? يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (فالله ? يجب زجل الملائكة بالتسبيح والتقديس، ويحب سجودهم وركوعهم وطاعتهم بلا معصية قط، لكن هناك من المحبوبات له ? لا تتحقق في خلقتهم التي هم عليها، فإن الله ? يحب توبة العاصي، ويحب استغاثة الملهوف، وبكاء السائل والتائب، كما يحب أن يتشحط المرء في دمه في سبيل دينه، كما يحب كلمة الحق عند سلطان جائر، كما يحب صبر المبتلى رجاء الأجر ودخول الجنة، وغير ذلك مما شرّعه الله تعالى من الشرائع التي تتلاءم مع خلقة الإنسان على هذا الوجه من الاختيار، وهي أمور لا تتحقق مع خلقة الملائكة - عليهم السلام -، وهذه كما تراها وما في معناها إنما تقع بسبب التدافع بين الحسنة والسيئة، وبين الطاعة والمعصية، وبين الغفلة والإنابة، وبين الحق والباطل، وبين حب الآخرة وحب الدنيا، وحين يخلو الوجود من هذا يعني انتهاء مقصده كما في الحديث:(( لَوْ لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُم ) )، وهو يُبَيّن أن جريان الوجود على معنى واحد بلا تدافع لا يجعل له معنى، فإن الله ? هذا محبوبه منه، وأمّا محبوبه بأن يحمد ويسبح ويقدس بلا مدافعة فهو حال تحقق مع الملائكة - عليهم السلام - كما أخبر جلَّ في علاه.

هذا أمر، وآخر أن هذا الورود بعد آيات نفي اللهو واللعب عن فعل الرب يعني أن كل أمر غير هذا المذكور في هاتين الآيتين من العبادة والتسبيح إنما هو لهو من فعل الإنسان، والله لا يخلق خلقًا إلا لعبادته، فكما أنه خلق خلقًا من الملائكة يعبدونه فكذلك ما خلق في الأرض من الإنسان إلا ليعبدونه، ولذلك يقول النبي (:(( الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُونٌ مَا فِيهَا إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَمَا وَالَاهُ وَعَالِمٌ أَوْ مُتَعَلِّمٌ ) )، فالله لا يخلق خلقًا لمجرد حياة اللهو لهذا المخلوق، والخلق على هذا المعنى كذلك هو لهو ولعبٌ كما لا يخلقه من أجل معصية بلا إنابة فهذا خلق على جهة اللهو والله ? القدوس عن فعل ذلك، فإذًا لم يخلق الله خلقًا إلا لعبادته، أي تسبيحه وذكره وخضيته وتقديسه وما في معنى ذلك، فالملائكة تقوم به على وجه والإنسان الصالح يقوم به على وجه آخر كما تقدم، فإن فقهت هذا علمت أن قول القائل إن الله خلق الإنسان لعمارة الأرض على الوجه الذي يقوله الزنادقة اليوم؛ أي بلا عبادة ولا نسك ولا ذكر ولا قراءة قرآن ولا سجود ولا ركوع، كذلك بلا مدافعة بين الحسنة والسيئة ولا بين الحق والباطل ولا بين الإيمان والكفر هو قول جاهل على الله، وفيه نسبة هذا الوجود إلى العبث واللهو واللعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت