وإنه مما يلاحظ أن بعض المسلمين تأثر من هذا القول الباطل، إذ جعلوا حياة الإنسان لنفسه في تحقيق رفاهيته وشهوته هو الأصل، وجعلوا العبادة والنسك تابعة لذلك، وذلك عن طريق تضخيم الأولى وجعلها مقصدًا لتجمعاتهم وأحزابهم وبرامجهم الدعوية، كما هو شأن الأحزاب غير المسلمة الكافرة، ثم يكون شأن العبادة والنسك وإقامة حق الله في الأرض والوجود والإنسان شيئًا تابعًا هامشيًا، بل ربما جعلوه شأنًا خاصًا لا يستحق أن يكون برنامجًا لعمل جماعي ولا لاهتمام بارز.
والصورة تتضح للمرء حين يقارن بين حياة النبي (ومواعظه لأصحابه، وكلماته وارشاداته، وبين حياة هؤلاء وبرامجهم ودعواتهم، فإن شأن النبي (في حياته شأن العابد الذاكر المسبح المستغفر، وكذا دعوته لأصحابه ونصحه وتوجيهه لهم، وأما شأن الحياة ورفاهيتها فهي أمر تباع لتحقيق إنسانية الإنسان لا غير بلا ترف ولا إسراف، وبهذا حصل لهم سلطان الأرض وخيراتها وثرواتها مع تحقيق المراتب العليا في الجنان.
فالنبي (وحياته، والصحابة وحياتهم هي واقع هذه الآية: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ? يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (على وجهٍ إنسانيٍّ أرضي يقع فيه معنى الإنابة كما وصفهم الله بقوله: (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ (، وكما قال عنهم: (إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ (وكقوله فيهم: (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ? الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ? وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (وأوصافٍ أخرى ذكرها الله عنهم تُبيّن نُسكهم وعبادتهم وحبهم لله تعالى ورغبتهم في لقائه ودخول الجنان.
وقوله تعالى: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ (فالله ? ربها ومالكها، ولا علاقة بين الله وخلقه إلا على هذا المعنى، وكل دعاوى المشركين الزاعمة أن بعض خلقه له معنى آخر غير ذلك هي كذب وافتراء على الله، فما الملائكة إلا ملك له وهم عبيده وهو ربهم، فليسوا كما قال المشركون: (وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا (، وكذلك الشمس والقمر والنجوم هي مخلوقات لله لا تملك من أمرها شيئًا بل كما قال تعالى: (لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (وهكذا كل البشر، فما عيسى إلا عبد لله