فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 198

تعالى كما قال ?: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آَدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (وقال: (قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (.

وقوله: (وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (، فالله رب كل شيء كما تَقَدَّم، وكل شيء مملوك له، وأمّا فعل الآخر فإن الملائكة هذا وصفهم، فتلك ربوبية الله الشاملة، وهذا تأله العابدين من الملائكة له جلَّ في علاه، وقد وصَف عبادتهم في ظاهرها وباطنها، أمّا الباطنة فهي عبادةٌ بلا كبر، وأمّا الظاهر فهي عبادة بلا تعبٍ ولا انقطاع، وهذا أبلغ وصفٍ للعبادة، وذلك بتمام خضوع القلب والجوارح.

وقوله تعالى: (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (هو وصف لعبادتهم التي لا تتوقف ولا يقع فيها التعب، وضرب الله هذه الأمثال إنما هو لبيان ما يحبه الله تعالى من عبيده، وما يحقق فرحه ورضاه جلَّ في علاه، ولذلك قال ?: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (.

قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِّنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنشِرُونَ ? لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ ? لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [1] (

إن موجبات العبادة الحقة أن يكون المعبود هو رب السموات والأرض، وأن يكون أعظم الخلق هم أشد الناس خشية وتسبيحًا له، وإذا كان هذا هو الله سبحانه، فإن اتخاذ غيره آلهة من أبطل الباطل، إذ أن هؤلاء الآلهة الباطلة ليس لهم من الأمر شيء، ولا يخضع لعبادتهم أهل السموات الذين هم أعظم الخلق وأكرمهم، فما معنى اتخاذ الجاهل معبودًا من الأرض لا يقدر أن يحاسب عبده بعد الموت، وإن كان له قدرة فهو كما قالت السحرة بعد إيمانهم لفرعون: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (أمّا بعد الموت فالديان هو الله ?، وهذا كقوله تعالى: (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ ? وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاء وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (، وكقوله سبحانه: (وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (، وكقوله: (وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ? فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (؛ فالمعبود الحق هو من يقيم خلقه من الموت ليحاسبهم بعد الموت، فيثيب المطيع ويعاقب

(1) الأنبياء: 21 - 23

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت