العاصي، ومن لم يكن كذلك فهو إله باطل، وإن كان له قدرة على القضاء فإنما في هذه الحياة الدنيا، مع أنّه عند مجيء قضاء الله في هذه الحياة لا تنفع هذه الآلهة الباطلة في شيء كما قال تعالى: (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (وكما قال سبحانه: (وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ? فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (؛ وإذ كان اتخاذ الآهلة باطل، فإنه كذلك سبب فساد الوجود، فقال سبحانه: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَة إِلَّا اللَّه لَفَسَدَتَا فَسُبْحَان اللَّه رَبّ الْعَرْش عَمَّا يَصِفُون (ذلك بأن الله سبحانه أقامَ سُنّة الوجود ونظامه على وفق طاعته وعبادته، فإن عبد غيره اختل النظام وحصل الفساد، إذ أن المخلوقات لا تصلح إلا لعبادة الله سبحانه وحده لا نشرك به شيئًا. وهذه الآية ليست على معنى ما يقوله المتكلمون من نفي تعدد الخالق، إذ أن هذا معنى فيها وليس هو نصها، وفرق عند علماء الأصول بين النص والظاهر، فإن كان ما قالوه هو الظاهر، فإن النص ينهى عن تأليه غير الله لا نفي ربوبية غيره، فالأمر في الآية أعظم مما يقولون، إذ التوحيد ليس نفي تعدد الخالق فقط، بل هو نفي تأليه غير الله ?.
ثمّ إن من عجائب بعض أهل البدع والهوى حين يستدلون بهذه الآية على نفي ظواهر الآيات وأنها غير مراده، فإنهم في نفيهم لعلو الله على خلقه كما تقوله آيات كثيرة، يقولون لو كان هذا الظاهر مرادًا لكان الظاهر في هذه الآية أن الله بذاته في السموات والأرض، ولما كان هذا غير مراد عند أحد من أهل الإسلام إلا أهل الحلول فإن القول إن الله فوق الخلق والسموات والعرش غير مراد كذلك.
وهذا جهلٌ وضلال، فإن هذه الآية لا تتحدث عن ذاته جلَّ في علاه أنها في السموات والأرض، بل إنما تتحدث عن ألوهيته وهي كذلك لا تنفي وقوع تأله غير كما يقول أصحاب «وحدة الوجود» في زعمهم أن كل عبادة في الكون هي عبادة الله، بل هذه الآية تنفي صحة عبادة غيره، وذلك لما يعقبها من فساد في الأرض والسماء. فصلاح الوجود في السموات والأرض هو بعبادة الله تعالى، وإخلاصها له، وترك عبادة غيره على المعنى الذي قاله ?: (لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (، فاختلال نظام العالم إنما يقع بالشرك في العبادة، وهذا أمر على أهل الإسلام أن يفهموه لأنه يجيب على سؤال يتردد في النفوس وهو؛ هل صلاح الوجود يكون بظاهر الأمر دون حقيقته، أَم لا بُدَّ من معناه الباطني فيه؟