فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 198

وبإدراك جواب هذا السؤال يستطيع المسلم أن يحكم على أعمال الآخرين هل هي إصلاح حقًا أم ليست من الإصلاح في شيء.

وشرح ذلك يكون كالتالي:

لقد شَرَّعَ الله الشرائع من أجل إصلاح الوجود، فالأحكام تحقق العدل الذي يدفع الظلم، وتحقق الأمن الذي يزيل الخوف، وهما؛ أي العدل والأمان أساس الإستقرار والبقاء، وهذه الأحكام لها ظواهر ومعاني، أمّا الظواهر فهي تطبيقها من غير النظر إلى معناها هل هي عبادة لله أم لا، فلو أخذت هذه الشرائع مقتطعة عن معنى الواضع لها وهو الله، وجردت عن معنى العبادة التي يريدها الله منها، فهل تحقق هذه الأحكام مقاصدها في الاستقرار والبقاء حينئذ؟

وهذا السؤال تصوري، ذلك بأن الله يُضلُّ المشركَ في أحكامه، وإنه وإن أصاب بعقله بعض الحق إلا أنه سيخطئ الكثير، فإن كان قد منع الهلكة في باب فإنها ستأتيه من أبواب، ويكفي أن يعلم المؤمن أن أعظم المهلكات هو الشرك بالله، ولذلك ما ذكر الله قومًا مشركين إلا وذكر لهم مفاسد أخرى سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، ذلك لارتباط الشرك بالفساد.

لكن هذه الآية دلّت أن الحكم الإيماني لا يؤتي أثره في الوجود إلا بارتباطه بالإيمان، وإلا فهو عارٍ من صد المهلكة، فأحكام القرآن ليست هياكل وظواهر فقط، بل هذه الأحكام لا تسمى إيمانًا إلا لعمل العامل لها على جهة التعبد لله تعالى، فإن خلت عن هذا المعنى فإنه لا تكون عبادة ولا تألهًا، ذلك بأن قيمة الحكم بالانتساب لا بذاته فقطن فالحكم يمدح لأنه منسوبٌ إلى الله ويذم حين ينسب لغيره كما قال تعالى عن حُكم غيره وحُكم شرعه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ (.

ولهذا المعنى كانت دعوة الأنبياء في أنها دعوة للتوحيد ثم الشرائع، فهذا هو التعبد في حقيقته لا مجرد الشرع دون اقرار إيماني وخضوع لله تعالى، وفقه الدعاة لهذا الأمر يبعدهم من خطأ تلبسوا به كثيرًا، وهو إملاء هياكل الجاهلية ومظلتها بأحكام الإسلام ودعوتهم لهذا، وظنهم أن هذا هو ما يحقق الإسلام لهذه الهياكل الجاهلية التي جعلت حق التشريع لغيره، فصدور أحكام بغير سيادة الشرع حتى لو إلتقت مع صورة الحكم الشرعي فإن هذا لا يمنع من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت