لحوق الفساد ووقوعه، فهكذا تلتقي التسمية؛ أي في كونه حكمًا شرعيًا أو حكمًا جاهلًا، مع آثاره في كونه يحقق الصلاح أو الفساد.
هذا الأمر لا يلغي السُنَن الكونية التي قال الله فيها: (مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ (فالفعل الإنساني له آثاره عليه بالوضع السُنَني فيه، حسنًا وقبحًا، إذ الفعل له قوة الأثر بحسبه، لكن المعاني القلبية كذلك لها آثارها كذلك في هذا الوجود، فالحب وكذا البغض ليس لهما تأثير في أمر الآخرة فقط، بل لهما تأثير وجودي سُنَني، ويشهد لهذا حديث النبي (:(( إِنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ فَقَالَ: إِنِّي أُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبَّهُ. قَالَ: فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: إِنَّ الله يُحِبُّ فُلاَنًا فَأَحِبُّوهُ، فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ. قَالَ: ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الأَرْضِ، وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا، دَعَا جِبْرِيلَ، فَيَقُولُ: إِنِّي أُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضْهُ. قَالَ: فَيُبْغِضُهُ جِبْرِيلُ، ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللهَ يُبْغِضُ فُلاَنًا فَأَبْغِضُوهُ. قَالَ: فَيُبْغِضُونَهُ، ثُمَّ تُوضَعُ لَهُ الْبَغْضَاءُ فِي الأَرْضِ ) ).
والله ? قال: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (فجعل سبحانه عمل القلب شرطًا للإيمان، وقد علمتَ أثر الإيمان في الوجود والحياة. هذا مع أثر العبادة في الوجود وأقدار الله فيه كالحديث:(( مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَانْظُرْ يَا ابْنَ آدَمَ لا يَطْلُبَنَّكَ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذِمَّتِهِ ) )، وفيه كذلك: كان رسول الله يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: (( اسْتَوُوا وَلا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ ) ). وقوله: (( لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ ) )والله يقوله: (إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (. وهذا كله لتعلم أثر المعنى القلبي والعمل النسكي في الوجود البشري، وليس الأمر قاصرًا على هيكل العمل وظاهره.
وقوله تعالى: (لَفَسَدَتَا (أي السموات والأرض، وأما السماء فليس فيها إلا تأليه الله وتسبيحه، وأما الأرض فقد قال تعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (، والبشرية كان تمامها واستواؤها في الخير والهدى في قرن مُحَمَّد (وأصحابه، إذ لم تعرف الأرض صلاحًا وخيرًا كما حصل في قرنه (ولذلك قال:(( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ) )ثم بدأت البشرية في حالٍ آخر، وذلك لأن الوجود الإنساني منذ آدم (إلى قيام الساعة أشبه بحياة فردٍ واحد من البشرية والذي يلحقه ما قال تعالى: (ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا (، وبهذا تعلم أن زوال الغربة الثانية على الوجه الذي قاله رسول الله (:(( بَدَأَ الإِسْلامُ غَرِيبًا، وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ ) )، ثم ما أخبر به عن الخلافة الراشدة في قوله (: (( ثُمَّ تَكُونُ خِلاَفَةٌ عَلَى