فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 198

مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ )) إنما هو أشبه بصحوة الموت التي تصيب الهرم وهو على فراش الموت، وهي حالة معروفة، فأمرها يسير الوقت لا يطول، وقد أخبر الله ? بظهور الفساد والقرآن ينزل لأن الاستواء التام لا يعني إلا بداية ضده، وهكذا بدأت البشرية مع أول آيات الساعة وهو بعثة النبي (، وهو قرينها كما أخبر (.

والبشرية اليوم وما تنتجه من سلوكات وتشريعات هو ردّةٌ إلى التوحش والبهيمية، وقد اجتمعت فيهم اليوم كل مفاسد الإنسان على مدار التاريخ، وهذه المفاسد مع أنها كانت تلحق التجمعات البشرية بالهلاك إلا أنها لم تكن تلحق بالكون، وهذا بخلاف الفساد اليوم، فإنه يلحق الوجود الإنساني والوجود الكونين إذ أن اكتشافه اليوم لسُنَن الوجود لم يعنه ولم يهده إلا للإفساد والتدمير وكل ذلك من أجل الرفاهية والترف دون نظر إلى الحفاظ على أصل الخلقة وفطرتها، فهو وإن حقق متعة سريعة إلى أنها أعقبت تدميرًا وإهلاكًا لوجوده، شأنها شأن شارب المخدرات، فإنها تعطيه مشاعر المتعة السريعة ثم ترتد عليه إهلاكًا لبدنه وعقله ونفسه.

فالبشرية ليست في لحظة تحضُّر كما يزعمون، ولم تُخَلِّف وراءها البهيمية والتوحش كما تزعُم، بل هي في أشدِّ حالات الانحطاط البشري على مدار التاريخ، فالمجرد الطاغية الذي كان يقتل في حرب طويلة المئة والمئتين صار قتل مثل هذا العدد يقع في لحظة واحدة، ومن كان يسرق القليل صارت الملايين وأقوات قاراتٍ كاملة لا تكفيه، ومن كان يستعبد شعبًا صار يستعبد أُممًا، وما كان يعد عيبًا في الأمم السابقة ويعمل على جهة التخفي كالزنا واللواط صار شريعةً تُحمى ويُعاقَبُ مُستَقذِرُها، فليس هناك اليوم ما يُمدح من إنتاج البشرية إلا بما تُمدح به الأنظمة وهي زيادة السجون والمستشفيات، وهي دليلٌ على مقدار التقدم النفسي والخُلقي والبدني في هذا الإنسان الحديث.

أمّا هذا الافتخار بالمنجزات المادية، ودعوى تميز الإنسان المعاصر بها فهذا من التزوير حقًا، فما يزعمونه من وجود الإنسان الأول المتوحش والمتخلف هو الذي اكتشف قواعد الوجود كله، فليس ذكاء مصنع الحديد إلى آلة معاصرة بأذكى من ذلك الإنسان الذي اكتشف الحديد وأدرك خصائصه واستخدمه في منافع حياته، وليس صانع الصاروخ بأذكى من الإنسان الأول الذي صنع رغيف الخبز حين أدرك سرّ حبة القمح فرعاها وصنعها حتى صارت غذاء البشرية التي تحفظ لها الوجود، لكنه الغرور الإنساني حين يظن أن إنسانيته اليوم هي أرقى من إنسانية آبائه وأجداده سواء كان في القيم أو الإنتاج الحياتي النافع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت