وقوله تعالى: (فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ (لَمّا كان العرش هو أعظم المخلوقات، وهو أول المخلوقات كما هو قول طائفةٍ من أهل العلم، كان ملك الله له هو أعظم الملك، وكون ربنا جلَّ في علاه رب العرش وهو المحيط بالكون كله، وهو سقف الجنان يعني أن ما دونه مربوب له كذلك.
وقوله سبحانه: (رَبِّ الْعَرْشِ (ردٌ على الذين اتخذوا آلهةً من الأرض، فما هي إلا آلهةٌ باطلة، تحيط بها خلائق أعظم منها، ومحكومةٌ لها، وأمّا ربنا ? فإن العرش مملوك له، وهو ربه الذي خلقه، ولا يقوم مع عظمته إلا به، فإنه ? قَيّام السموات والأرض ومَن فيهن. واعلم أن بعض الجاهلين في تاريخ البشرية كلها كان شأنهم منازعة الله فيما اختص به نفسه، فيتخذون لأنفسهم أسماء وصور وهياكل على جهة ما يعلمون أنها أسماء الله تعالى وأفعاله، وهي مجموعة في قوله (: في سجوده وذكره لربه:(( سُبْحَانَ ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْمَلَكُوتِ ) )فالمنازعة الجاهلة في هاذين الأمرين؛ الجبروت والملكوت، فمنهم من يَتَسَمّى بملك الملوك، كما جاء في الحديث: (( إِنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الأَمْلاَكِ ) )، ومنازعة الأسماء هو ما فعله المشركون من تسمية اللات والعزّى ومناة، ومن المنازعة الجاهلية جعل منازل الملوك ومجالسهم على معنى ما ذكره الله لنفسه كما سموا مجالسهم: عرشًا، فيقولون: العرش المكي، وهو من باب الكبر والجهل والغفلة، بل هو من تلبيس الشيطان عليهم في تسمية منازلهم على وفق ما استأثر الله به لنفسه من التعظيم.
ومما يشبه ذلك ما دخل على الأُمَّة الإسلامية من بناء القباب على القبور، فإنها مأخوذةٌ من الهند، وأصل بنائها هو اعتقاد الربوبية لصاحبها، لأنهم يسمون الرب: صاحب القبة الزرقاء، وهذا ما يطلقه العوام في بلادنا، أي هو ربُّ هذا الكون، والذي هو قبةٌ زرقاء كما يرونها بأعينهم، فذهبوا إلى جعل ذلك على آلهتهم الباطلة، ثم أدخله الجاهلون ورجال التصوف إلى بلادنا معهم، لأن التصوف إنما دخل الإسلام عن طريق الهند، مع وجوده في كل الأُمم السابقة.
قوله تعالى: (عَمَّا يَصِفُونَ (دليلٌ على أن كل شركٍ وفساد في الوجود أصله القول في الله جهلًا، والقول عليه كذبًا، فقدم العلم بالله تعالى كما هو في أسمائه وصفاته هو أصل الفساد، وأصل كل خيرٍ في الوجود إنما هو العلم بأسمائه تعالى وصفاته، فأول العلوم التي يجب أن يعلمها الخلق هو أسماء الله تعالى وصفاته، وجماع هذا الأمر كلمة التوحيد: لا إله إلا الله؛ فهو المستحق للتأليه، وموجب هذا التوحيد الحق هو أسماء الله تعالى وصفاته، ولذلك كان إحصاء أسماء الله المئة إلا واحدًا طريقًا للجنان، وهذا الإحصاء هو علمها والعلم بها، فمن جهل اسم الله الغفور