يئس، واليأس كفر، ومن جهل اسم الله المنتقم غفل والغفلة أساس المعاصي، ومن جهل اسم الله القدوس نسب له الكذب، وهكذا كل جهل باسم لله عاقبته الفساد، ويضاده كل علم باسم من أسماء الله تعالى وصفاته يوجب إيمانًا وتوحيدًا وعبادة، فلا يتحقق توحيد المرء على وجه التمام إلا بإيمان العبد بأسماء الله تعالى وصفاته التي ذكرها الله في كتابه وأوحاها إلى رسوله (.
فالعلم بأسماء الله وصفاته ليست أمرًا تصوريًا عقائديًا لا ينتج سلوكًا ولا نُسكًا كما يظن البعض، وتحول الخصومة في هذا الباب إلى مساحة كلامية لا تحقق إخباتًا ولا خوفًا ولا حبًا جهل في أعظم أبواب الدين، وأعظم مقاصد القرآن، إذ لا يتحقق التوحيد إلا بإثبات أسماءه وصفاته، وأن يحياها المرء سلوكًا ونُسكًا وحياةً في ليله ونهاره.
وإنه مما يجدر التنبيه عليه أن اهتمام أهل العلم بتوحيد الألوهية لَمّا جهل الناس أمرها، وقولهم إن توحيد الربوبية أمرٌ مشتركٌ بين المسلم والكافر، إذ لم ينكره المشركون أدّى إلى تهوين أمر الإثبات، مع أنه لا يصحُّ توحيد المرء وتأليهه له إلا بتحقق قلب المؤمن لمعاني الأسماء والصفات والتي هي من توحيد الإثبات، فالعبد لا يخلص في دعائه إلا بامتلاء قلبه بمعاني اسم الله الرزاق، ويقينه على وعده، فتوحيد العمل والإرادة لا يكون بدون قاعدة توحيد الإثبات.
والقول بأن المشركين مشتركون مع المسلمين في توحيد الإثبات بهذا الإطلاق قولٌ غير صحيح، فإنهم كانوا يقولون على الله الكذب، ويصفون الله بالجهالات، فالقرآن يثبت أنهم كانوا لا يعتقدون في الله القدرة المطلقة، ولذلك شككوا في قدرته على إحياء الموتى، فنسبوا له الضعف كما قال تعالى عنهم: (مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (، وذكر القرآن عن يهود جهلهم بعلم الله ما في نفوسهم كما قال ? عنهم: (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (.
وقد ذكر أقوال الجاهلين فيه في مواطن من كتابه كقولهم: (يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ (وهو نسبة البخل له، وغير ذلك، ولذلك فاعلم أن كل شرك في الدنيا في باب الإرادة لا يكون إلا وله أصل في باب الإثبات، ولا يتحقق توحيد الإرادة إلا بتوحيد الإثبات، وقوة كل واحد يعود الآخر بالتأثير، ولذلك امتلأ كتاب الله تعالى بالحديث عن أسماء الله وصفاته، والحديث عن آياته الدالة على هذه الأسماء والصفات، فلا تغفل عن ذلك فيتحول لديك توحيد الإرادة مجرد تصور علمي لا ينتج عبادة ولا اخباتًا ولا ذكرًا ولا دعاءً ولا خوفًا ولا حبًا.