قوله تعالى: (لا يُسألُ عمَّا يَفعل وهُم يُسْألُون (ذلك بأن الله لما ذكر عجز آلهتهم التي اتخذوها من نشر الخلق وسؤالهم فعقاب ونعيم، ذكر ? هذا الأمر لنفسه، فهو ? من يسأل الخلق ويحاسبهم، وهو سبحانه الإله الحق الذي الذي لا يسأل من مربوبيه، هذا معنى ما يفيده سياق الآية وهو اختيار كثير من أهل العلم.
وهي بلفظها تفيد العموم كذلك، فإن الله ? لا يُسأل لِمَ شرع ولِمَ خلق ولِمَ قَدَّر، لأن الكل سواه عبد، وليس للعبد على سيده إلا الخضوع والتسليم وترك الإعتراض، بل أعظم الإيمان هو الرضى، هذا مع اختلاف العلماء في مرتبة الرضى بالأقدار هل هي واجبة أم مستحبة، والذي عليه الأكثر أن مرتبة الصبر واجبة وأما الرضى فمستحبة.
والإعتراض على شرع الله وقدره هو أصل الكفر في الوجود، وهو كفر إبليس كما هو معلوم، إذ اعترض على أمره في السجود لآدم، فالإعتراض هو نقض لما اختص به نفسه في قوله: (لا يُسألُ عمَّا يَفعل (، وهذا الشرك قديم، وهو الاعتراض على فعله، إذ يسأل الجاهلون على وجه الاعتراض لِمَ خلق الخلق ولِمَ وجود الألم ولِمَ وجود الاختلاف؟ وكل من عانى في أمرٍ قَدَري لَم يصبر عليه ذهب يتهم الله تعالى في حكمة وجوده، ولو تفكّر هؤلاء أن الله الذي خلقهم أعظم منهم حكمة لسلموا له، وهذا ما هدى الله المؤمنين إليه في جواب هذه الأسئلة، فإن عادًا لَمّا قالوا: (مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً (قال الله لهم: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً (وهؤلاء عندما يحكمون قواعدهم ومداركهم في فعل الرب لو تذكروا أن هذه المدارك هي من نعمة الله عليهم، لعلموا أن الله ? هو أعظم منهم حكمة وعلمًا، فلسلموا له وقالوا ما قال ?: (لا يُسألُ عمَّا يَفعل (.
وهذه الآية للناس فيها أقوال، فجاهل بها يقولون بوجوب الأصلح على الله، فينفون ويثبتون بحسب مداركهم في الصلاح والفساد، فنفوا إرادته القَدَرية الشاملة لأعمال الخلق؛ صالحهم وفاسدهم، إذ جعلوا الإذن القَدَري لمعصية الإنسان تنافي هذه القاعدة، فنفوا هذه الإرادة، بل نفوا أن يكون هذا الفعل مخلوقًا لله تعالى، وآخرون قالوا بها على وجه مناقص لما قاله السابقون؛ وهو أنهم جوزوا فعل الظلم من الله تعالى، وجعلوا هذه الآية مطلقة بلا ضابط الحكمة والعدل، وزعموا أنه يجوز معاقبة الصالح وإثابة الفاسق، وهذا جهلٌ بقوله ?: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (، فالآية تنفي حق سؤال الخلق له فيما يفعل ?، كما تنفي وقوع مقتضى السؤال وهو الثواب والعقاب، فلا أحد له الحق كما لا يقدر أحد على إثابة الرب أو معاقبته، لكنها لا تتحدث عن صفة فعل الرب ? كما زعم المجوزون وقوع الظلم منه؛ فصفة فعله جلَّ في علاه فيها آيات بينة أعظمها ما تقدم وهي قوله تعالى: (إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (.