فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 198

ومن فقه المؤمن لصفة فعل الرب علمه بحديث النبي (:(( لَاَ يَاتيِ الخَيّْرُ بِالشَرّْ ) )أو قوله (( لاَ يَاتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ ) )، وهو حديثٌ يستحقُّ وقفةً هنا لأهميته في فهم أقدار الوجود التي تتعلق بعمل الصالحات التي لا تتحقق آثارها الكلية في الدنيا، وهو أمر يجيب على تسائل العابدين والعاملين لدين الله حين يأتي العمل الصالح بأمر على خلاف ما أمله الفاعل له؛ ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري ? قال: قال رسول الله (: أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا، قَالُوا: وَمَا زَهْرَةُ الدُّنْيَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: بَرَكَاتُ الأَرْضِ فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَاتِى الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ فصمت النبي (حتى ظننت أنه ينزل عليه، ثم جعل يمسح عن جبينه، فقال: أين السائل؟ قال: أنا، قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع لذلك، قال: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهَلْ يَاتِي الْخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ: لا يَاتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، لا يَاتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، لا يَاتِي الْخَيْرُ إِلاَّ بِالْخَيْرِ، إِنَّ كُلَّ مَا أَنْبَتَ الرَّبِيعُ يَقْتُلُ أَوْ يُلِمُّ؛ إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ، فَإِنَّهَا تَاكُلُ حَتَّى إِذَا امْتَدَّتْ خَاصِرَتَاهَا؛ اسْتَقْبَلَتْ الشَّمْسَ، ثُمَّ اجْتَرَّتْ وَبَالَتْ وَثَلَطَتْ، ثُمَّ عَادَتْ فَأَكَلَتْ، إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ، فَمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ، وَوَضَعَهُ فِي حَقِّهِ، فَنِعْمَ الْمَعُونَةُ هُوَ، وَمَنْ أَخَذَهُ بِغَيْرِ حَقِّهِ؛ كَانَ كَالَّذِي يَاكُلُ وَلا يَشْبَعُ، وفي لفظ:(( إِنَّهُ لَاَ يَاتيِ الخَيّْرُ بِالشَرّْ ) )، وفي لفظ: (( وَإِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ لِمَنْ أَخَذَهُ بِحَقِّهِ فَجَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ، وَمَنْ لَمْ يَاخُذْهُ بِحَقِّهِ فَهُوَ كَالْآكِلِ الَّذِي لَا يَشْبَعُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) ).

والحبط: وجع ببطن البعير من كلأ لا يلائمه، أو من كلأ يأكل منه أكثر من حاجته وفوق طاقته، فينتفخ عليه ويستعص خروجه. والثلط: هو السلح الرقيق.

قوله (: يَقْتُلُ حَبَطًا أَوْ يُلِمُّ؛ أي يقتله بالحبط أو يقرب من قتله. وهذا الحديث العظيم وضعه المصنفون في باب الرقائق إذ فيه عدم الاغترار بالدنيا، وفي أحكام الزكاة والصدقة لما فيه من دلالة ظاهرة على ذلك كما ترى.

والحديث فيه أكثر من ذلك وخاصةً في باب القدر وذلك في قوله (:(( إِنَّهُ لَاَ يَاتيِ الخَيّْرُ بِالشَرّْ ) )، فهذا لفظٌ عام يتعلق بالخير القَدَري الذي هو على فطرته، وكذلك بالخير الذي أمر الله به في شرعه، ولكن الحديث يبين كذلك أن الشر الذي حذر منه في وجود هذا الخير هو ما يصاحب هذا الخير من ظرف قدري يغيره، أو من سوء استخدام له، والدعاة والعاملون لدين الله اليوم قد يرون أعمالًا شرعية قد حض عليها الكتاب والسُنّة وهي خير، إلا أنهم حين يأتونها على وجه ما يفهمونه أو يقدرون عليه فإنهم لا يجنون فيه آمالهم فيه، بل قد يختلف الأمل أو يقع الأمر على خلافه، وترتد هذه العاقبة على البعض تشكيكًا في الأمر الشرعي تحت دعوى إعادة الإجتهاد فيه لتغييره وتبديله، ومنشأ هذا الخطأ هو عدم فهم سُنَن جريان الأقدار، حتى مع الأمر الشرعي الصحيح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت