فهذا الحديث يُبَيّن فيه فتنة الخير، وهو ما تخرجه الأرض من بركات الأرض، فعجب الرجل كيف تأتي الفتنة من الخير وما سماه رسول الله (بركة، فسأل الرجل الأعرابي رسول الله (: هل يأتي الخير بالشر؟ فجاء جواب الرسول (كلامًا بليغًا عظيمًا على جهة التمثيل. فبيّن النبي (كيف يتحول ما هو نعمة في جوف آكله إلى خور، فالخير هو كذلك في أصل وضعه، سواء كان وضعًا كونيًا كبركة الأرض، أو وضعًا شرعيًا كالحكم بالأمر والنهي، لكن هذا الوضع الأصلي إذا عمل به الإنسان فإنه يخرج من فضائه المطلق إلى وضع آخر، هذا الوضع محكوم بسُنَن الكون الذي لا يجري فيه شيء على جهة الانفراد، بل لا بدّ أن يشاركه غيره، فطعام الأرض بركة في أصله لكن لما يدخل في جوف آكله فإنه لم يعد منفردًا، بل اشترك مع غيره، وهذا الغير قد يكون مناسبًا له، وقد يكون غير مناسب، وعدم المناسبة تحصل بأمرين، إمّا بعدم الملائكة والمطابقة وإمّا من جهة المقدار كما تَقَدَّم في تفسير الحبط، إذ يقع إمّا بعدم الملائمة أو بكثرة الأخذ. فالفِطرة خير في أصل خلقتها، لكن لما تجري عليها أفعال الخلق فإنها لا تعود فطرة، بل يجري عليها التحول والتغير.
وما يهمنا هنا بيان الحكم الشرعي، فإنه خير ولا يحقق إلا الخير، إذ الخير لا يأتي بالشر كما قال رسول الله (ولكن لتحصيل الخير بعد دخول الفعل الإنساني على هذا الحكم فلا بُدَّ من النظر إلى الظرف القدري المحيط به هل هو ملائم له، وكما تقدم في تفسيره الملائمة؛ أي من جهتي التطابق والقَدَر.
فبعضهم لا يلتفت قَط إلى الظرف، بل يلتفت إلى أصل الوضع الشرعي، فيأتي الأمر على خلاف مطلبه، كما أن آخرين لا يلتفتون إلى المقدار، بل يظنون أن مجرد الفعل يحقق العاقبة فلا يرونها. وعدم فهم هذا الأمر كان مؤداه عند الكثيرين الانقلاب على العقبين بعد مجرد تجربة وقعت منهم، فصاروا يزعمون الحكمة وامتلاك ناصية الخبرة والتجربة، وأن هذه أفعال لا تؤدي إلى المطلوب، بل لا بدّ من تغييرها، والتغيير الذي وصلوا إليه هو الدخول في سبيل المجرمين، لأنها عندهم هي من تحقق النتائج والآثار.
وفي هذا الحديث يُبَيّن النبي (أمرًا آخر لتحقيق الخير من الخير عند نزوله من فضائه العلمي إلى عمل المخلوق فيه، فبعد أن بين أهمية المطابقة والملائمة، وأهمية المقدار، بيّن أهمية الفعل المساعد لأصل العمل، إذ العمل الواحد لا يحقق المنفعة التامة إلا بعمل آخر يقارنه، هو المعين له في دفع الشر عنه وذلك في قوله (:(( إِلاَّ آكِلَةَ الْخَضِرِ أَكَلَتْ حَتَّى إِذَا امْتَلأَتْ خَاصِرَتَاهَا اسْتَقْبَلَتِ الشَّمْسَ اجْتَرَّتْ وَبَالَتْ وَثَلَطَتْ ) )فهذان عملان مساعدان؛ أولهما