وفهم أهل الإسلام لهذه القاعدة النبوية يمنعهم من تغيير الأحكام كما يفعلون اليوم بعد إخفاقهم في تجربة ما، إذ الواجب عليهم النظر في هذه المؤثرات الأخرى وهي: الظرف الملائم، والمقدار الكافي، والفعل المساعد، وإصلاح الآثار، لا أن يسارعوا في اتباع سبيل الجاهلية وتغيير الشريعة بحجة عدم إصابة الهدف كما وقع في تجربة سابقة.
تذكرة: هذا الحديث فيه إشارةٌ واضحةٌ للنفط الخارج من باطن الأرض في بلاد المسلمين، وذلك في قوله (:(( أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ مَا يُخْرِجُ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا ) )، وقد عُلِمَ أن الأُمَّة لم يدخل لها مال من باطن الأرض إلا ما كان من أمر النفط اليوم، فالمال الذي يدخل من الزراعة ليس على وجه الكثرة التي تحقق الفتن، بل لا يعلم عن أهل الزراعة أنهم أهل ترف ورياش ومال، كما أن المال الذي كان يدخل على الأُمَّة قديمًا ليس هو من باطن الأرض، فدلَّ على أن المراد منه أصالةً إنما هو مال النفط، وهو كما أخبر النبي (قد قتل دين الناس أو كاد، ووقع به من البلاء أكثر من الخير، وكان شرًا بفعل آخذيه، مع أنه خير للأُمم الأخرى، لكن جريانه بين أيدي أهل الشر جعله شرًا، فقد نشر الترف الذي هو سبب الهلاك، كما كان شرًا على الأُمَّة حيث لم تجعله في الوجه الصحيح، فلم يكن لها قوة ولا نعيمًا، بل صير أهله جبناء يحسبون كل صيحة عليهم، وكان أسعد الناس فيه طرفان: من أخذ من خيره فجعله في الخير وهم أفراد أكرمهم الله بالإنفاق والبذل، وآخرون لم يصبهم فحماهم الله من الترف فقاموا لأمر الله لا يخافون ذهاب دنيا ولا رفاهية.
قوله تعالى: (أَمِ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ هَذَا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ [1] (
من طريقة القرآن الاستشهاد بالنبي (كما في قوله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ (وفي قوله تعالى: (أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ (والشاهد عند بعض أهل العلم هو مُحَمَّد (، وهو الأقوى والأولى من قول بعض أهل العلم إنه جبريل، مع أن ابن كثير قوّى الاثنينن لكن القول إنه مُحَمَّد (هو ما تشهد له الآيات كآية سورة الحديد المتقدمة، وكقوله تعالى في العنكبوت: (وَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (. ويستشهد بالملائكة كما قال تعالى: (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ (وكما في قوله تعالى: (لَكِنْ اللَّه يَشْهَد بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْك أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَة يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا (ويستشهد بأهل العلم كما في آية آل عمران المتقدمة: (شَهِدَ اللَّهُ (وكذلك في قوله: (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (وكذلك في قوله تعالى: (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ
(1) الأنبياء: 24