فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 198

الْحَمِيدِ (كما استشهد الله بمؤمني أهل الكتاب وإمامهم عبد الله بن سلام ? في قوله تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (، وهذا الاستشهاد فيه أمران؛ رفع مقامات المستشهد بهم، ولذلك سمّى الله من قُتل في سبيله شهيدًا، وذلك لهذا المعنى، فإنهم يشهدون على الحجة وتبليغ الرسالة، ويشهدون على صحة إيمانهم ببذل أرواحهم، والآخر هو إقامة الحجة على وجه مدرك بليغ، والله ? يحب العذر وذلك من رحمته وشفقته بعباده.

وفي هذه الآية يطلب الله ممن اتخذ آلهة دونه أن يقدم شاهدًا على دعواه من جهة النقل وذلك في قوله: (هَذَا ذِكْرُ مَن مّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي (. وقوله تعالى: (مَن مّعِيَ (هو على المعنى الذي تقدم في قوله تعالى: (لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ (، وقوله: (مَن قَبْلِي (كقوله تعالى: (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (.

فقد تَقَدَّم بطلان اتخاذهم آلهة من دون الله من جهة النظر، والآن يبطل عليهم هذا بنفي وجود ذكر إلهي يستندون إليه كما قال تعالى: (وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُم بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ (، فليس في القرآن وهو: (ذِكْرُ مَن مّعِيَ (وليس في الكتب المتقدمة: (وَذِكْرُ مَن قَبْلِي (فيها ما يدعون من جواز اتخاذ آلهة تعبد من دون الله تعالى، مع اشتمال القرآن على الذكرين لقوله تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَك مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (وهذا الذي قاله أهل التفسير، والذي يناسب السياق أن هذه الآية نفي لاتخاذ من ذكر الله تعالى في قوله: (وَلَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِندَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ ? يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (آلهة من دون الله تعالى.

فهؤلاء المذكورون من الملائكة على الوصف المتقدم هو الحق، ومن زعم أن الملائكة قد عبدوا غير الله فهو كاذب لا دليل عليه، ولذلك احتج الله في هذا الموطن على الكاذب بالنقل، لأن أمر الملائكة غيبي، ولا يعرف إلا من جهة الخير، وهو الكتب المنزلة، وليس فيها ما يفترونه.

فالآية تُبطل زعم المشركين إن زعموا أن الملائكة عبدت غير الله تعالى، والملائكة أعرف الخلق بربهم لما يرون من أمره وخلقه، فهم أشد الخلق عبادة وتسبيحًا كما تقدم، وحيث هم كذلك من تسبيح الله وتقديسه، فإن الحق ما فعلوه، لا كَمَن قال بالجهل وحكم بالأمر من مكان بعيد دون بصيرة من ربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت