فهرس الكتاب

الصفحة 78 من 198

وقوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُم مُّعْرِضُونَ (هذا من خصائص وصف العلم في القرآن، فإن العلم في القرآن لا يقابل جهل المعلوم وعدم المعرفة فقط، بل يقابل الإعراض عن العلم وإن علمه، فالجاهل في دينه من علم الحق وأعرض عنه، ومن لم يعلم الحق فالمعرفة في القرآن ليست علمًا إلا بالعمل والاتباع، وهذه الآية تبين أن الإعراض عن الحق يعني نفي العلم، كما أن نفي العلم عن المرء يكون بسبب إعراضه عنه، وهذا أمر يكاد يكون مطردًا في القرآن، ففي الأعراف بعد أن ذكر الله أمر المعرض عن الهدى بقوله: (وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (وعنى به المشركين كما قال بعض أهل التفسير كمجاهد والسدي، قال سبحانه لنبيه (: (خُذِ الْعَفْوَ وَامُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (فسمّى المشرك جاهلًا مع معرفته بالحق، وبرهان هذا قوله تعالى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآَيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (.

وقال بعض أهل العلم إن المراد أن جهلهم بالحق وعدم فهمهم له وامتناع تفكرهم فيه جعلهم في إعراض عنه، والمعنى متقارب، فإن الشيء قد يكون سببًا وقد يكون نتيجة كالدم والقلب، فقوة أحدهما قوة للآخر، وضعف أحدهما ضعفٌ للآخر، فأثر كل واحد سبب ونتيجة.

وقوله تعالى: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ (لأن هناك أنواعًا أخرى كأسباب الشرك، فعامة أهله هم المقلدون الحمير ممن يتبع الكبراء والأسياد، وليس همه إلا ما يهم الدواب، وهؤلاء مذكورون في القرآن وقد فصّل أمرهم في مكان آخر.

قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [1] (

فهذا عمل أكرم الخلق، وهو عمل أتباعهم، ومن يحبهم الله، وهو الدعوة إلى توحيده وإفراده بالعبادة والطاعة، ومن أجل ذلك أرسل الرسل وأنزلت الكتب، وقامت سوق الابتلاء والجهاد، وخلقت الجنة والنار، فمنازل الناس عند الله بهذا المعيار، وهو العمل بما أوحى الله به إلى رسله جميعًا، ومن جهالات الخلق الظن أن هذا لا يدخل في معيار تفضيل الناس في الدنيا والآخرة، حتى إن بعضهم ليظن أن صانع صنعة ما تحقق رفاهية الناس هي أكرم في الدنيا من عمل الداعي إلى توحيد الله تعالى وعبادته، بل إن هذا عندهم هو عمل البطالين والكسالى وأصحاب

(1) الأنبياء: 25

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت