فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 198

المدارك العقلية الضعيفة، أمّا غيرهم من أصحاب الصناعات والأعمال فهم الأكرم والأفضل، وإن بعضهم لا يجعل هذا معيارًا في الدنيا فقط بل جعله بعض من سمّي بـ «المفكر الإسلامي» معيارًا في الآخرة يوم القيامة.

وسبب جهالات هؤلاء هو الظن أن الدعوة إلى توحيد الله تعالى وعبادته هو أمر لا علاقة له بأمر الدنيا، بل هو شأن خاص للمرء لا يغرز موقفًا حياتيًا في الوجود وأحداثه وتقلباته، أما العمل في شؤون الدنيا المادية والفكرية فهو عندهم الذي يحقق الأثر في هذا الوجود، وبالتالي لهم الاعتبار والتقدير. وهذا الفهم هو جزء مشتق من إعتقاد عبثية الوجود، كما أنه جزء تغرزه مفاهيم الجاهلية في نفوس الضالين حيث يصبح الدين لا يصلح لقيام المجتمعات ولا تحديد مواقفها، ولا إلى تكتل الناس على وفق أحكامه وأقضيته، بل هي المعايير الأخرى عندهم مما يسمونه الوطن أو القوم أو الجهة أو غير ذلك من قيم الجاهلية التي تضاد قيم الإسلام في البناء والحياة.

إن أعظم الخلق عند الله تعالى وفي هذا الوجود الدنيوي والغيبي هم الأنبياء، وعملهم هو أعظم الأعمال وأحبها إلى الله وأكثرها تأثيرًا في الوجود، كما أن آثار أعمالهم هي الحق الباقية في الأرض، وكلما اقترب المرء من هذه الأعمال كان كذلك، فالذين يريدون أن يفرقوا بين مؤمنٍ وكافر، وبين مسلمٍ ومشرك، وبين عابدٍ وفاسق هم أهل الحق، وهم عصبة الحياة التي يحبها الله وينظر إليها، أمّا أولئك الذين يجعلون الدين عاملًا مساعدًا لقيمهم الجاهلية، لا أصلًا في البناء والحركة، فيبعدون الدين عن منصة القيادة في الولاء والبراء، وفي الحركة في المنع والعطاء، والسلم والقتال هم أعداء الرسل، وهم أصحاب دعوة الجاهلية مهما ارتفعت أصواتهم وغلبت منابرهم بالقوة والصراخ والمال والعكسر.

فمن هنا نبدأ؛ فمن حيث بدأ الأنبياء، وهذا منطلق المهديين، فهم من يصنع التاريخ من خلال هدي القرآن، والاقتداء بالأنبياء، إذ ندعو الناس لتوحيده في أسمائه وصفاته وتأليهه، فلا يعبد إلا الله، ولا يطاع إلا أمره، ولا يعادى أحد إلا من أمر بمعاداته، ولا يوالى إلا من أمر بموالاته، حتى تخضع الحياة له ? في التسبيح والتقديس، وتخضع له قيم البشرية في الحكم والقضاء، وفي السلم والحرب، وفي المنع والعطاء، وفي كل جوانب الوجود الإنساني بلا استثناء، ثمّ ما يتحقق بعد ذلك من إدراك لسُنَن الوجود فهي على القاعدة القرآنية في قوله تعالى: (وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ (فلا عطاء في هذا الوجود إلا على هذا المعنى في هذه الآية وكما قال ? في سورة المائدة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ (فما من عطاء إلهي للمؤمن في هذه الدنيا إلا لتحقيق هذه المعاني؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت