فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 198

أي تحقيق المنفعة وابتلاء للإنسان على وفق ما قاله الله عن موسى لبني اسرائيل: (عَسَى رَبّكُمْ أَنْ يُهْلِك عَدُوّكُمْ وَيَسْتَخْلِفكُمْ فِي الْأَرْض فَيَنْظُر كَيْفَ تَعْمَلُونَ (وكما في قوله تعالى: (ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِن بَعْدِهِمْ لِنَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (؛ فهذه حقيقة القرآن في مقصد الوجود الإنساني، لا ما يقوله الجاهلون ممن يجعل الدين وأمر الله وتوحيده أقل شأنًا مما هو عند الله تعالى، فيؤخر حيث تقدم عليه قيم الجاهلية وما نتيجة الإنسان لرفاهيته وحياته الدنيوية.

ومن جرائم العصر تسمية الشرك توحيدًا، حيث يجعلون مجرد إفراد الخالق هو توحيد الأنبياء، وإذ قالوا هذا فإنهم زعموا أن بعض تجمعات التاريخ التي عبد فيها غير الله تعالى، ولم تهتد برسالة الأنبياء هم أهل توحيد، كما يقولون عن المصريين القدماء، وذلك لإقرار أن التوحيد إنتاج بشري يمكن وجوده بدون أنبياء وهذا كذب وافتراء على مفهوم التوحيد الذي بعث به الأنبياء، ومثل هؤلاء من يجعل النصارى مع قولهم إن عيسى بن الله هم اهل توحيد، على المعنى المتقدم، وهو إفراد الخالق، وهذا كالأول كذب وافتراء على توحيد الأنبياء؛ فتوحيد الأنبياء وإن كان فيه إفراد الرب بالخلق والرزق والإمداد، إلا أن الاقتصار على هذا دون إفراده بالتأليه والإخبات والتقديس لا يسمى توحيدًا، فسؤال غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك، كما أن صرف نوع من أنواع العبادات كالذبح لغير الله شرك وكفر بالله تعالى، وهذا هو شرك الأُمم التي أرسل لها الأنبياء، كما أن من توحيد الله تعالى الخضوع لأمره وقضائه في شؤون الحياة كلها، وهذا هو بعض ما اعترضت عليه الأمم السابقة لما جاءهم الأنبياء به كما قال أهل الأيكة لشعيب (: (قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلاتُكَ تَامُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (، وما اعتراض قوم لوط (إلا لدعوته لهم إلى ترك جريمة اجتماعية يأتونها هي إتيان الذكران من العالمين؛ فالتوحيد هو عمل وسلوك وأقوال لا مجرد تصور عقلي يثبت أمرًا غيبًا ثم ينزوي جانيًا ليترك للناس بناء حياتهم على وفق ما يحبون ويريدون، وهو ما سماه الله تعالى: حُكم الجاهليَّة، كما قال سبحانه: (أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (.

فإعلان القرآن في هذه الآية وما في معناها مثل قوله: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ (يُبَيّن لمن أراد السير على درب خير الخلق، وعلى طريق حب الله تعالى ورضاه أن هذا هو المنطلق وهو المنتهى، فمن أجل هذا نحيا، ومن أجله نموت، وعلى فقهه نحب ونكره، ونعطي ونمنع، ونسالم ونحارب، ذلك بأن الفقه الذي هو حكم الكتاب والسُنّة في كل تفصيلاته وجزئياته هذا هو منطلقه، وهذا هو أُسّه ومبعثه، وهو تحقيق العبودية لله تعالى، ونفي تأليه غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت