فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 198

وهذه الآية حين تبيّن مقصد بعثة الأنبياء في نهي الخلق عن عبادة غيره، كذلك هي تدل على أن عمل الأنبياء هو إرشاد الناس إلى عبادته، فعملهم نفي وإثبات، ولا يصح أحدهما إلا بالآخر، إذ لا يتصور أن يترك المرء عبادة غير الله دون أن يعبد الله، كما أن عبادة الله لا تكون على وجه مقبول دون ان ينتهي المرء عن عبادة غيره سبحانه.

وأصل ذلك أن الإنسان مفطورٌ على التعبّد، فهو فقيرٌ ذاتي يحتاج إلى غيره، وهو عبدٌ في أصل خلقته، فالعبادة حاجةٌ لازمة له لا ينفكُّ عنها، إذ لا يمكن للمرء أن يكون بلا عبادةٍ قَط، فإن ترك عبادة الله ? عبد سواه لزومًا لا محيض عنه، وكذلك فإن الشرك في العبادة أمرٌ لا تنفكُّ عنه البشرية في كل أطوارها، وقد أخبر النبي (أن الساعة لا تقوم حتى تضطرب اليات نساء دوس حول ذي الخلصة، كما أخبر أن فئامًا من أمته ستلحق بالمشركين، هذا مع أن هذه الأُمَّة هي خير الأُمم وهي أقل الأمم وقوعًا في هذا الباب، مع ذلك فهذا أمر يقع فيها وستصيب منه، ولذلك فالأُمم الأخرى بعد بعثة مُحَمَّد (كلهم مشركون يعبدون غير الله، فالتوحيد منذ بعثته وإلى قيام الساعة لا يكون إلا في أُمّته، وأمّا قبل بعثته فإن النبي (قال:(( إِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلَّا بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ) )وهم الموحدون الذين بقوا على دين الرسل - عليهم السلام -، وهؤلاء دخلوا في الإسلام كما يثبت التاريخ ذلك، وقد كانوا قلة في بلاد الشام، وأكثر منهم في مصر.

وعبادة الله هي مقصد الخلق وغير ذلك ما يفعله الإنسان على وجه الحاجة الذاتية إنما هي تابعة لذلك لا أصل، وليس كما يقول الجاهلون، فإن الله تعالى يقول: (وَمَا خَلَقْت الْجِنّ وَالْإِنْس إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (، وهذا استثناء مفرغ من أعم الأحوال، فمعناها: ما خلقت الجن والإنس لأي شيء إلا للعبادة، وبهذا تفهم المعنى المتقدم. واللام في الآية للتعليل وهي غائية، ولا التعليل الغائية هي التي تأتي لبيان الغاية من الفعل، فقد تقع وقد لا تقع، وهم يفرقون بينها وبين اللام الموجبة؛ أي توجب الوقوع كقولهم انشقت الأرض للزلزال، فالمعلول مبنيٌّ عليها وهو لازم الوقوع.

وهذا التوحيد الذي أمر الله به الرسل رتب الله عليه أحكام الشرع كله، فقد أحلَّ الله به الدماء وحرّمها، فقال سبحانه: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا (وقال: (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (وقال سبحانه: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت