إن معركة الترجمة لم تبدأ من منهج صحيح مدروس ينظم مدى ما نحتاجه وما لسنا في حاجة إليه، وإنما أخذ التغريب والغزو الثقافي بالمبادرة ومضى يقدم لنا على مدى قرن كامل نتاجًا سيئًا غاية السوء، قوامه ترجمة القصة المكشوفة الأجنبية، والتراث اليوناني الوثني، والمفاهيم المادية والإباحية في مجالات النفس والاجتماع والأخلاق والتربية وقد قدمت لنا هذه الآثار على أنها علوم أصيلة وليست فروضًا قابلة للخطأ والصواب أو وجهات نظر تمثل أممها وأصحابها، ولم تسبق هذه الدراسات أو تلحق بما يكشف أمام القارئ العربي والمسلم مكانها من فكر أمتها وموقفنا كفكر له منهج متكامل جامع منها وبذلك زيفت هذه الترجمات كثيرًا من لالعقول وأفسدت كثيرًا من النفوس وخلقت أجيالًا مضطربة لأنها استطاعت أن تقرأ الفكر الغربي (القائم على عقائد ومفاهيم وقيم وإيديولوجيات) تختلف عن فكرنا الإسلامي العربي وكان القائمون على هذه الأعمال في الأغلب من خصوم هذه الأمة وفكرها ومن الراغبين إلى اتخاذ سلاح الترجمة سبيلًا إلى هدم هذه المقومات.
ولقد كانت الترجمة في أول أمرها في عصر محمد علي على النحو الذي قام به رفاعة الطهطاوي ومدرسة الترجمة الأولى بالغ الأصالة فقد عمد إلى تقديم نتاجه مدروسًا وجادًا ومغطيًا لجوانب كثيرة فقيرة وخاصة في لمجال العلوم التجريبية والطبيعية وغيرها، غير أن النفوذ الأجنبي لم يلبث أن سيطر من بعد على هذه الحركة وحولها إلى ترجمات القصص المكشوف وفنونًا مختلفة من أهواء النفس وضلالات الفكر البشري.