محاضرة (بيان الحق ونصرته)
الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:
فإن للحق لسانًا ينطق به دعاة الخير، إلا أن هناك لذلك النطق أحكامًا، ولبيان الحق آدابًا، ولابد من معرفة تلك الآداب والأحكام لكل ناطقٍ بالحقِّ أو ناصرٍ له، ولذا فقد ألقى فضيلة الشيخ الفقيه: صالح بن محمد الأسمري - حفظه الله ومتّع به - محاضرة في هذا الموضوع بعنوان (بيان الحق ونصرته) .
ونظرًا لأهميتها، وشدة الحاجة إليها، فهذا تلخيص وتهذيب لجملة ما اشتملت عليه من قواعد وآداب، والله نسأل أن يَعُمَّ بنفعها الجميع.
* أهمية تدارس هذا الموضوع.
تأتي أهمية تدارس هذا الموضوع لعلتين:
العلة الأولى: الجهل بتلك الأحكام والآداب.
العلة الثانية: ما يصدر من بعض من يبين الحق من استكبار أو غرور أو سوء خلق.
* مقدمتان مهمتان:
ولا بد قبل الشروع في الموضوع من ذكر مقدمتين مهمتين:
المقدمة الأولى: معنى كلمة (الحق) ، إذ الحق يضاد الباطل، كما أن الهدى نقيضه الضلال، ولذا قال الله سبحانه وتعالى: {فماذا بعد الحق إلا الضلال} . وقال: {ذلك بأن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل} . فليس بين الحق والباطل منزلة ثالثة في الأمور القطعية، ومن أهمها: مسائل الاعتقاد كما قال العلماء.
وقد استعمل جماعات من الأئمة كلمة (الحق) بمعنى الإصابة للصواب، ولو كان في مسألة فروعية، وهو استعمال قليل.
والمراد من (الحق) هنا شيئان:
أولهما: مسائل الشريعة بيانًا ونصرةً، جملةً وتفصيلًا.
والثاني: نصرة الخير، ودفع الضير على اختلاف صوره.
المقدمة الثانية: ذِكر مسألتين كُبْريين تتعلقان بنصرة الحق:
• الأولى: مسألة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
• الثانية: مسألة العلم والتعليم، وبيان ذلك تدريسًا وتربيةً وما يتبعه؛ ذلك أن الأحاديث قد تتابعت في التعلم وتبليغ العلم، ومن ذلك: ما جاء في"صحيح البخاري"من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - وفيه: قال النبي صلى الله عليه وسلم )): بلغوا عني ولو آية )) ، وقوله: (( ولو آية ) )يدخل فيه أيُّ شيء ولو قلَّ.
أحكام نصرة الحق:
ولنصرة الحقِّ ثلاثة أحكام مجملة مشهورة:
• الحكم الأول: حكم اتباع الحق. وهو واجب في الجملة، و رَدُّه محرَّمٌ ولا يجوز، وهو من كبائر الذنوب على ما قرره أهل العلم، ومن أولئك: ابن حجر الهيتمي يرحمه الله في (( الزواجر ) )، وكذا الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) ). ومن أدلة ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الكِبْر من بَطِرَ الحق (أي: من دفعه ورده عُجْبًا واستكبارًا) ، وغَمَطَ الناس (أي: احتقر الناس وازدراهم) ".
(تنبيه) :
ومن كان على خطأ ثم استبان له الحق فيجب عليه الرجوع إلى الحق في الواجبات، ويستحب فيما هو صالح لهذا الحكم من المسائل، إلا أن الأصل الوجوب كحكم مجمل، وعلى هذا من الأئمة العمل. وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه: (( ومن جاءك بالحق؛ فاقبل منه ولو كان بعيدًا، ومن أتاك