بباطل؛ فاردده وإن كان حبيبًا قريبًا )) .
• الحكم الثاني: حكم بيان الحق وإيضاحه للخلق، وهذا له جهتان من حيث الحكم الشرعي عند الفقهاء:
-الجهة الأولى: حكمه من حيث ذاته دون النظر إلى الاعتبارات العارضة وأحوال المخاطَبين وما إليه؛ فهذا له حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من حيث الأصل، وأصل ذلك: أنه فرض كفاية في الجميع. ومن الأدلة على ذلك قول الله عز وجل: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} ، وفرض الكفاية إذا لم يقم به أحد من الأمة: أَثِم الجميع، وإن قام به الكفاية فهو مستحبٌ في حق الأفراد، وورد في الحث على ذلك أدلة، ومنها حديث:"فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم"ثم قال:"إن الله وملائكته وأهل السماوات والأرضين حتى النملة في جحرها ليصلون على معلم الناس الخير".
(تنبيه) :
والمقصود بالعابد هنا: من عنده العلم العيني فيما لزمه ثم جرَّد نفسه للعبادة كما قال مُلا علي القاري رحمه الله في:"مرقاة المفاتيح"، وأما من لم يعرف ما يجب عليه من أحكام، كشروط الصلاة وأركانها ونحو ذلك فليس داخلًا هنا.
-الجهة الثانية: حكمه عند مجيء العوارض المتعلقة، أو أحوال الشخص المبينِ للحق، فهذه تأتي على أحكام، والأصل في ذلك الوجوب؛ إذ إن بيان الحق للخلق واجب على الإنسان، لكن بشرطين:
-الشرط الأول: ألا يكون ثمة غيره يبينه.
-الشرط الثاني: أن يكون قادرًا على ذلك.
-ويتبع ذينك الشيئين: أن يكون متعلقًا بما هو واجب من واجبات الدين، أو محرم يحرم الأخذ به، أو كبيرة من الكبائر التي لابد أن ينهى عنها المسلم.
-وقد قرر تلك القيود جماعات من الأئمة، وهي مقررة في كتب المذاهب المتبوعة في آخر كتاب الجهاد أو أثنائه، وذكرها جماعات كابن مفلح الحنبلي يرحمه الله في (( الآداب الشرعية ) ).
أدلة وجوب بيان الحق.
ويدل على وجوب بيان الحق للخلق أدلة، ومن ذلك: قول الله عَزَّ وجَلَّ: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} . يقول الإمام القرطبي يرحمه الله مبينًا دِلالة الآية على المقصود:"أخبر الله تعالى أن الذي يكتم ما أنزل من البينات والهدى أنه ملعون"ا. هـ.
ومن الأخبار في ذلك: ما جاء عند أبي داود والترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم في"مستدركه"من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم )):من سُئِلَ عن علم فكتمه أُلجِم يوم القيامة بلجام من نار )) .
تنابيه تتعلق بحكم بيان الحق:
ويتعلق بما سبق تنابيه مهمة:
-الأول: تبليغ الشريعة من أحاديث وأخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم، و ما يتصل بها بلاغًا: داخل في الوجوب العيني على المشهور عند الأئمة. ومما يدل على ذلك: ما جاء عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: (( لو وضعتم الصَّمْصَامَة(اسم للسيف الذي لا ينثني) على هذه (وأشار إلى قفاه) ثم ظننت أني أُنْفِذ كلمة سمعتها من النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن تُنْجزوا عليّ لأنفذتها )).
-الثاني: وجوب بيان الحق على أهل العلم له شرط، وهو أهلية المخَاطَب، فلا يجب بيانه لغيره، وهذا مشهور عند الفقهاء وأهل العلم، وقد ذكر ابن شاكر في (( الباعث الحثيث ) )أنه سئل بعض العلماء عن شيء من العلم، فلم يُجب. فقال السائل: أما سمعت الحديث: (من علم علمًا فكتم؛ ألجم بلجام من نار) ؟ فقال: اترك اللجام واذهب، فإن جاء من يفقه وكتمته فليلجمني به) كذا قال، وهذا عليه الفقهاء.