الصفحة 3 من 4

-الثالث: إذا ترتب على بيان الحق ضرر على المرء بيقين أو بغلبة ظن سواء أكان الضرر على نفسٍ أو على مالٍ (ويدخل في ذلك الوظيفة) أو على عرض لزوجة أو بنت ونحو ذلك فلا يجب عليه بيان الحق. وقد نص على الغالبية للظن (واليقين من باب أولى) في ذلك الأئمة، ومن أولئك الغزّالي في (( الإحياء ) )، ونقله عنه جماعة مقرين له، وكذلك ابن مفلح في (( الآداب الشرعية ) )، لكن يُستدفع ذلك بأنواع وآلات ووسائل من البيان.

-الرابع: إذا ترتب على البيان للحق ضرر على الأمة مثله يراعى في تأخير البيان، وتُؤُكد من وقوعه يقينًا أو بغلبة ظن، فإنه يحجم عن بيان الحق حينئذ.

-الخامس: قد يكون حُكم بيان الحق مكروهًا، وهذا في مَضَايق من المواضع، ومن ذلك: أن يُظن وقوع ضرر على الغير من الناس ظنًا مترددًا فيه دون ترجيح لأحد طرفيه، وهذا هو الذي يفهم من تقرير الفقهاء لقاعدة (إذا ظُن وقوع الضرر كُرِه) ، وهي قاعدة نص عليها: الشافعية والحنابلة والجماهير من الفقهاء.

• الحكم الثالث: حكم نصرة الحق. ونُصرة الحق هي: أن يكون المرء واقفًا مع مُبَيِّنِهِ، قائمًا بواجب الإيناس والدفع به نحو الأمام، وهي واجبة إذا كان نشر الحق واجبًا؛ ولكن بالشروط السابقة، ويُضاف إليها: ألا يستطاع إيصال الحق إلى الخلق إلا بنصير، ولذا ندب النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار إلى نصرته؛ لأن نصرته كانت واجبة. كذا قال الغزَّالي وابن مفلح - رحمهما الله -.

* آداب بيان الحق ونصرته:

ولنصرة الحق آداب، وعلى رأس ذلك أربعة آداب مشهورة:

-الأدب الأول: الرفق بالخلق عند بيان الحق، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إن الله رفيقٌ يحب الرفق في الأمر كله، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف ) )أخرجه مسلم. لكن قد يدعو داعي البيان للحق والنصرة له في تقوية الحق بكلام شديد، كما وقع من بعض الأئمة عند نصرهم للعقيدة الحقة، لكن بقدر الاحتياج، ويُقَدِّر ذلك العالم في وقته.

-الأدب الثاني: الصبر، وهو: حبس الإنسان نفسه على الثبات على الحق بيانًا ونصرة، مع تحمّل الأذى، فإنه لابد أن يلقى الأ لاقي، وأن يؤذى بأنواع من المآذي. قال الله تعالى: {وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} ، وقال عمير بن حبيب رحمه الله:"إن سِلْوانَ المرء عند الأذى أن يدَّكِرَ الثواب".

-الأدب الثالث: الحكمة، والحكمة في أصلها: وضع الشيء في مواضعه. {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة} ، وعليه فينبغي أن يكون المرء حكيمًا في نشر الحق، فيعرف ما الذي يخرجه في أوقاته، وما الذي يؤخره، وله أن يُقسِّط الحق على أوقات وعلى أماكن وعلى أحوال؛ حتى يوصل ما يريد.

-الأدب الرابع: المداراة للناس، بعيدًا عن المداهنة، فإن المداراة من حيث الأصل هي: الدفع برفق، كما قاله الحافظ ابن حجر في (( فتح الباري ) )، فيدفع المرء مضرةً ومشكلة بمداراة لأهلها، سواء أكان موقفًا أم كلمة أم عبارة أم غير ذلك.

واستعمال المداراة قد يجنب المرء أخطارًا وأضرارًا، كبطش ذي سلطان أو صاحب شوكة، والأصل في المداراة: أنها سلوك حسن في الشرع، وعند العقلاء، وقد قامت عليه الدلائل، ومن ذلك ما خرّجه ابن حبان في (( صحيحه ) )قال ابن مفلح: في (( الآداب الشرعية ) ): (حديث حسن) ، وفيه يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( مداراة الناس صدقة ) ).

وقال الحسن البصري يرحمه الله: (كانوا يقولون: المداراة نصف العقل، وأنا أقول: هي العقل كلُّه ) ) .

ومن المداراة: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لمّا عطّل واجبًا على المشهور، وهو: بناء الكعبة على قواعد إبراهيم، فإنه في الأصل كان واجبًا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم دارى الناس بعدم فعل ذلك؛ حتى لا تقع فتنة أعظم، وضرر أكبر فيرتدّ أناس من حدثاء عهد بإسلام. وهذا يصلح أن يُدخل في أصل المداراة على ما سبق من معنى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت