فجاءهم الجواب من العززِ اوهاب: (وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلا إِنَّهُمْ لَيَاكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ) [الفرقان:20]
أي أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بِدعًا من الرسل، فكذلك كان الأنبياء والرسل من قبله.
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة يمشي في الأسواق ويتفقد أحوالَها وأحوال التجار.
فقد مرَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على صبرة طعام، فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا، فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس؛ من غش فليس مني. رواه مسلم.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي السوق، ويُمازحُ أصحابه، وكان رجل من أهل البادية اسمه زاهر، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضرته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلا دميما فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه، فقال له: من هذا؟ أرسلني، والتفت، فعرف النبيَّ صلى الله عليه وسلم فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري مني هذا العبد؟ وجعل هو يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إذا تجدني كاسدًا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد. رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح.
وكان من الصحابة من يأتي السوق لإقامة ذِكرِ الله حال الغفلة.
فقد كان ابن عمر يقول: إني كنت لأخرج إلى السوق وما لي حاجة إلا أن أُسلِّم ويُسلَّم عليّ. رواه ابن أبي شيبة.
وإنما يعظم أجر الذّاكرِ لله في السوق لأنه في موطن غفلة ولغو ولهو.
قال محمد بن واسع قدمت مكة فلقيت بها سالم بن عبدالله بن عمر فحدثني عن أبيه عن جده عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من دخل السوق فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد يحيي ويميت وهو حي لا يموت بيده الخير وهو على كل شيء قدير. كَتَبَ الله له ألفَ ألفَ حسنة ورفع له ألفَ ألفَ درجة، وبَنى له بيتا في الجنة قال محمد بن واسع: فقدمت خراسان فأتيت قتيبة بن مسلم فقلت: أتيتك بهدية، فحدثته الحديث قال: فكان قتيبة يركب في موكبه حتى يأتيَ السوق، فيقولَها، ثم ينصرف.