فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 38

أبديتُ استعدادًا قويًا لهذه المحاضرةِ، لأنّها كانت مواجهةً جريئةً باعتبار أنّها كانت أوّل مبادرةٍ يُخطَرُ بها شيوخ الأتراك على أهمية اللغة العربيةِ بالنّسبةِ للمسلمين في تركبا.

فجمعتُ المعلومات اللاّزمةَ وأنا يومئذٍ أستاذ مادّةِ اللّغة العربيةِ بكلّية أبي بكر الصّديق الشعبيةِ للعلوم الإسلاميةِ. في إسطنبول، ثمّ قمتُ بترتيب البرنامج وتوجيه الدّعوةِ إلى عددٍ من رجال الدّين وشيوخ الصّوفيةِ ومسئولي المدارس القرآنيةِ، ذلك بالتّنسيق مع الصّديق الكريم الفاضل الدّكتور عارف آيتكين وهو أوّل مّنْ انتبهَ إلى هذه المشكلةِ وأيقن بضرورةِ تشجيع طلبةِ المدارس الدّينيةِ على إتقان اللّغة العربية واستخدامها في التعبير.

فبدأت المحاضرةُ في أوائل شهر أكتوبر من عام 1988م. حضرها لفيفٌ من الشّيوخِ والملالي والطّلبةِ، وعلى رأسهم شيخ طائفةِ من النّقشبندييّن/ محمود أُسطىَ عثمان أوغلو.

إنّ المدعوّين في الحقيقةِ لم يكونوا على علمٍ تامٍّ بموضوع المحاضرةِ، لأنّي توقّعتُ منهم أن يرفضوا الإجابةَ والحضورَ إذا ما علموا أنّي سوف أُركّز على أهميةِ اللّغةِ العربيةِ خاصّةً في التّعبير؛ ولأنّي كنتُ متأكّدًا من حسّاسيتهم. ذلك من الغريب جدًّا أنّ الّذين يهتمّون باللّغةِ العربيةِ في تركيا يحتاطون بكلِّ شدّةٍ أن يتعدّى اهتمامُهم حفظَ القواعد إلى استخدام اللّغةِ العربية في التّعبير. أمّا إتقان اللّغة العربية كوسيلة للتّعبير، فهو مرفوضٌ عندهم بتاتًا.

لذا ما من أحدٍ ينتبه إلى هذه المشكلةِ الغريبةِ، فيتساءل عن الموقف السّلبيِّ لشيوخ الأتراك من اللغة العربيةِ الاَّ ويُهان بكرامتِهِ (إذا أكّد لهم على أنّ للّغة العربية لابدّ من تدريسها بالطريق المباشر حتى يتمكّن الطالبُ من استخدامها في التّعبير متى أتقنها)

قد يكون موقفهم هذا ناشئًا من خوفهم من المتقنين لهذه اللّغةِ. إذ لو علِم النّاسُ أنّهم يجهلون لغةَ القرآنِ، وهم يُفسِّرونهُ ويشرحونه (!) ضعُفتْ ثقةُ المجتمعِ بهم. ولهذا تراهم يحتاطون بعنايةِ بالغةٍ أن لا يلتقوا بشخصيةٍ من مُثَقَّفِي العربِ وعلماءِهِم حذرًا من ألاَّ يراهم النّاسُ في صمتٍ مستمرٍّ والعربيُّ يتكلّمُ؛ ولألاّ يتساءلوهم عن سبب العجز الذي يعانونه في

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت