فهرس الكتاب
تبال الحديثِ مع العرب في عموم الأحوالِ. لا شك أن ذلك سيؤدّى إلى انحطاط شأنهم وزوال قدرهم وهيبتهم في نظر الناس!
في الحقيقة يدلّ هذا الواقع على أنّهم يعانون من داءٍ نفسانيٍّ عضالٍ. نجد لهذا الدّاءِ شرحًا وافيًا في مصادر علم النّفسِ. لأنّ هؤلاءِ المتشيّخين، إنّما يحاولون ليبطنوا ما يكوي صدورَهم من آلام العجزِ والجهلِ الّذَيْنِ إذا بدتْ أماراتُها للنّاسِ خسروا مكانَتَهم المرموقةَ. فقد أدّى ذلك إلى رسوخِ عُقْدَةٍ نفسيّةٍ خطيرةٍ في أعماقِهم. يتعارضُ في غياهب نفوسهم نزعتان شديدتا التّناقضِ، يثيرُهما سببٌ واحدٌ؛ وهو الهروبُ الرّخيصُ؛ ولكنّهم يتحاشون هذه العاقبةَ.
أمّا النّزعتان: فالأولى منهما - لا شكّ - هي انتهاز الفرصةِ للهروبِ مخافةَ أنْ تكون الغلبةُ للشّخصِ العالِمِ حين يجمعُ بينهم القدرُ على كراهيةٍ منهم وهو يتكلّم بطلاقةٍ وفصاحةٍ وبلاغةٍ وهم في سباتٍ عميقٍ كأنّ أفواهَهم محشُوَّةٌ بالقطنِ. والنّزعةُ الثّانيةُ هي الثبوتُ والمقاومةُ الباطنيةُ مع الصمت امتناعًا من الهروبِ مخافةَ أن لا يتّهمهم النّاسُ بالجبن والجهلِ والعجزِ. لذا تراهم في ضيقٍ شديدٍ، وارتباك بين هواجس متناقضةِ، تتبدّى في وجوههم علاماتُ الحرجِ والاختناقِ كلّما اصطدموا بوجودِ رجلٍ عالمٍ بالعربيةِ، ولا يزيدهم ذلك إلاّ حقدًا وضغينةً على العلماءِ.
إنّي في الحقيقةِ لم أكن على علمٍ تامٍّ بهذا الواقعِ، وكنتُ أظنُ أنَّ تركيا لا تخلو من رجالٍ قادرين على استخدامِ الأسلوبِ العلميِّ في الخطابِ والتّعبير الكتابيِّ باللغةِ العربيةِ. ولكنيِّ اصطدمتُ بعكسِ ذلك تمامًا بعد هذه المبادرةِ والاجتماعِ برهطٍ من شيوخ الأتراك في هذه المحاضرةِ.