فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 38

فلمّا حضر الجمهورُ، وفيهم عدد من الشيوخِ، بدأ المنسّقُ يمهّدُ السّبيلَ بالمقدِّمات المُلْفِتَةِ ليُهَيِّئَ الجوَّ حتّى يدعوَني أخيرًا إلى منصّةِ الخطابِ. فدعا شابًّا من تلامذتي ليستفتح المحاضرةَ بنشيدٍ عنوانُهُ (مسلمون) ؛ وهذه كلماتُهُ:

مسلمون مسلمون مسلمون * حيث كان العدلُ والحقُّ نكون

نرتضي الموتَ ونأبى أن نهون * في سبيل الله ما أحلى المنون

نحن بالأيمان أحيينا القلوب * نحن بالإسلامِ حرّرنا الشعوب

نحن بالقرآن قوّمنا العيوب * وانطلقنا في شمالٍ وجنوب

ننشر النّورَ ونمحو كلَّ هن * مسلمون مسلمون مسلمون

يا أخي في الهند أو في المغربِ * أنا منكَ أنت منّي أنت بي

لا تسل عن عنصري أو نسبي * إنّه الإسلام أمّي وأبي

اخوةٌ نحنُ به مؤتلفون * مسلمون مسلمون مسلمون

وما أن قرعت هذه الكلمات سمعَهم بدت في وجوه الّذين يفهمون العربية منهم المنكرُ، وكانوا عددًا قليلًا يكادون يسطون بالشابِّ الّذي يتلو عليهم النّشيدَ.

ثم صعدتُ المنبر فألقيتُ نظرةً سريعةً إلى الحاضرين، وإذا بأبصارٍ شاخصةٍ مليئةٍ بالغضبِ والتّهديد والاحتقارِ قد استقطبت عليَّ، ولكنّهم لم يتوقّعوا آنئذٍ أن يفاجئهم رجلٌٌ من أهلِ بلادِهم يقوم خطيبًا فيهم باللّغةِ العربيةِ. لأنهم لم يعتادوا ذلك، بل وحتى خطباء الجمعةِ يوجزون كلمة الثناءِ عند الافتتاح ما أمكنهم، لأنّها بالعربية، وسرعان ما يشرعون الخطاب باللّغة التركيةِ.

فعلِمتُ بحكم الطّبعِ أنّي إذا طلبتُ منهم أن يهتمّوا بالطّريقة المباشرةِ في تدريس اللّغةِ العربية (وهي أن لا يستخدمَ المدرّسُ اللّغةَ التّركيةَ في إلقاءِ الدّروسِ، بأن لا يتحدّث مع تلامذته إلاّ باللّغة العربية) ، علمت أنّي لو نصحتُهم في هذه المهمّةِ كأنّي قمتُ بعمليةٍ انتحاريةٍ. وفعلاَ لم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت