فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 38

يلبث حتّى حدثَ ما توقَعتُهُ، فانفجرت القاعةُ، وعلتْ الأصواتُ وعمَّ الفوضى. ذلك أنّهم عدّوا هذه المبادرةَ نوعًا من الاستخفافِ بشأنهم، والاستهانةِ بعلمهم. ولم أقصد ذلك إطلاقًا. لأنه مهما كان، فإنّهم يقضون كلَّ حياتهم في إحصاءِ قواعد الصّرفِ والنّحوِ، بحيث يُصبح كلٌّ منهم مكتبةً متنقّلةً في قواعد اللّغة العربية. والغريب أنّهم مع ذلك يعانون منتهى العجزِ في التّعبير عن أدنى شيءٍ باللّغة العربية.

وكان لهذه الضّجّةِ سببٌ هامٌّ آخرُ. وهو أنّ الأتراك ينافسون العربَ قديمًا وحديثًا في الانتماءِ الإسلاميِّ، وتأبى نفوسُهُمْ أن تكونَ فهمُهُمْ للإسلامِ كفهمِ العربِ له. لذلك قد شرعوا لأنفسهم أساليبَ خاصّةً في التّعامُلِ مع الإسلام. ومن جملةِ هذه الأساليب، اهتمامُهم في المدارس القرآنيةِ بحفظ قواعد الصّرفِ والنّحوِ فحسب، دون اتّخاذ اللّغةِ العربية كأداةٍ للتّعبير. ذلك أنهم إذا اتّخذوها أداةً للتّعبيرِ، معناه التّهاون بما تتصف به هذه اللّغةُ من القداسةِ والكرامةِ؛ وهذا يؤدّي إلى استحالتها من لغةِ الوحيِ إلى لغةِ الشارعِ، فتستوي مع بقية اللّغات. فلا ينبغي ذلك في نظرهم. لأنّ اللّغة العربيةَ مقدّسةٌ في ضمير القاعدةِ الشعبيةِ للمجتمع التّركيِّ، ومكروهةٌ في نظر الطّغمةِ الحاكمةِ، وهذا ما قد أسفر عن نتائجَ غريبةٍ أصبحت موضوعَ الصّراعِ بين القاعدة الشّعبيةِ والقلّةِ الحاكمةِ من جانبٍ، وبين الأتراكِ والعربِ من جانبٍ آخر.

وربما من هذه النّتائج الغريبةِ أنّ الرّجلَ التّركيَّ إنّما يكره الإنسانَ العربيَّ، لأنّه أنزل هذه اللّغةَ المقدّسةَ منزلةَ لغةِ الشّارعِ، حتّى انتُهكت حرمتُها!!

على الرغم من السلبيات التي عرضت لي أثناء هذه المحاضرة، فقد كنتُ أنا الفائز في النّهايةِ. لأني استطعتُ أن أطرح مشكلة تدريس اللّغةِ العربيةِ في تركيا لأوّل مرّةٍ. فألهمتُ بذلك جمهورًا من النّاسِ أنّ اللّغةَ العربيةَ هي في حدِّ ذاتِها أداةٌ للتّعبيرِ، وهي لغةُ أمّةٍ تُربي على

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت