فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 38

خمسمائةِ مليون من البشرِ، بإزاءِ ما لها من ميّزاتٍ أخرى، باعتبار أنها لغة القرآنِ، ولغة المسلمين على اختلافِ لغاتهم المحلّيةِ؛ وأنّها لغة العلم والحضارةِ، كما تتميّز بأصالتِها وقواعدها وآدابِها الرّصينةِ بين اللغات الحيّةِ.

أثبتُّ في الوقتِ ذاته حقيقةً هامّةً أخرى بهذه المحاولةِ الجريئةِ. فأيقظتُ كثيرًا من الغافلين بأن الله سبحانُ هو الكفيلُ بإمدادِ هذه اللّغةِ كلّما تعرّضتْ لخطرٍ. لأن الله كفيلٌ بحفظ كتابه الكريمِ إلى يوم القيامةِ وهي لغةُ كتابهِ ووحيهِ. فما دام القرآن محفوظًا بعناية الله تبارك وتعالى، فلغةُ كتابِهِ كذلك محفوظةٌ معهُ، لأنّها جزءٌ لا يتجزّأُ منه. يبرهن على هذه الحقيقةِ فشل المستشرقين الّذين يقومون بالدعوةِ إلى اللّهجةِ العامّيةِ في البلاد العربيةِ بين الفينةِ والأخرى. فقد أحبط الله أعمالَهم، وأيّد هذه اللّغة حتّى في تركيا، في هذا البلد الذي أصبحت اللّغة العربيةُ تَعْتَبِرُهَا فئاتٌ من الناسِ لغةَ الشعوذةِ والتمائمِ والطَّلَّسْمِ!

كذلك من ثمرات هذه المحاضرةِ، أنّنا انتبهنا في الوقتِ ذاته إلى حماقة الحكومات العربيةِ أنّها كيف تحتقر القدرةَ الكامنةَ للإسلامِ في تركيا، وتتجاهلُ الثروةَ الثقافيةَ المستمدّةَ من اللّغةِ العربيةِ في هذا البلد! لقد تجاهل العربُ جميعَ ما يعودُ إلى الإسلامِ في تركيا. لقد أخطأ العربُ عندما حمّلوا الشعبَ التركيَّ مسؤوليةَ يهودِ سالونيك وذنوبَهم، وعدّوا هذا المجتمعَ بأسرهِ من المارقين، واعتبروه بأجمعِهِ من أعضاءِ حزب الاتّحاد والترقي. اغترّ العربُ على سعةِ عالمهم، وكثرةِ عددهم بحكّامهم الذين هم رموز الرّجعيةِ والأساطيرِ والخرافاتِ، فأدرجوا المجتمعَ التّركيَّ عن بكرةِ أبيه في القائمةِ السّوداءِ، ولم يميّزوا في ذلك بين الطُّغمةِ الحاكمةِ (يهودِ سالونيك) ، وبين القلّةِ المؤمنةِ المستضعفةِ من أبناءِ هذا البلد. مع ذلك لم يتورّع العربُ عن اتّخاذ الموقف الإزدواجيِّ من أبناءِ هذا البلدِ. يبرهن على هذه الحقيقةِ استجابةُ الحكومات العربيةِ لدعوةِ الحكومةِ التركيةِ في منعِ الطلبةِ الأتراك من الدّراسةِ في بلادِهم. ومن غرائبِ العقل العربي المتخلّفِ، أنّهم لم يفطنوا إلى ما يتمتع به الطّالبُ المسلم التّركيُّ من الإيمانِ والعزيمةِ والإخلاصِ، وأنّه إذا أرادَ أن يتعلّمَ اللّغةَ العربيةَ لحقّق أملَهُ ولو في الصّحاري والغابات. وكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت