فهرس الكتاب
ربما تتساءلون في أنفسكم عن مدى علاقتنا باللّغة التّركية ونحن بصدد اللّغة العربية. نعم، لماذا نتحدّث عن تاريخ اللّغة التّركية، ونتعجّب من أنّ الأتراك أمّةٌ لا أبجديّةَ لها، وأنّهم متأخِّرون في مجال التّدوين والتّأليفِ؟ لماذا نتباحث عن هذه الأشياء في الحين الّذي نتبنَّى تعليل مشاكل اللّغة العربية؟
إنّما ذكرْنا آنفًا حدثين هامّين في تاريخ الأمّة التّركيّةِ استدلالًا بهما على إثباتِ ظاهرةٍ في طبيعةِ هذا الشغب، وما نشأ منها من سلبيّاتٍ عبر حياتِهم منذ اعتناقهم للدّين الإسلاميِّ حتّى اليوم. وعلى رأسِ هذه السّلبيّاتِ كراهيتهم للرّجل الأجنبيِّ وإن كان مسلمًا. تلك الظاهرة هي الروح العسكرية الراسخة فيهم كأنّهم جبلوا عليها حتى جعلَتْهم يستخفّون بكلِّ مَنْ ليس من بني جلدتهم، وما ليس من صُنعهم.
ومن هذه السلبيات، موقفهم المتهاون من مفهوم العلم والمعرفة. فإنّ هذا الموقفَ هو الّذي ثبّطهم عن النشاطِ في المجال العلميِّ والتّقْنيِّ عبر تاريخهم حتّى أصبحوا اليوم يحرصون على الانتماءِ إلى الغربِ، والغربُ يستخفُّ بهم.
يبدو وبكلّ وضوحٍ أنّ الأتراك، لمّا اصطدموا بالفشلِ في السباق مع الأمم المتحضّرةِ، ظنّوا أنّ ذلك من نتائجِ انتمائهم إلى الإسلامِ. فلمّا لم يجدوا الحلَّ في الهروبِ من ساحتِهِ تمامًا، أصبحوا مذبذبين بين ذلك، لا إلى هؤلاءِ، ولا إلى هؤلاءِ. فإنّ كراهيّتهم للعربِ وللّغةِ العربيةِ ليس إلاّ نتيجةً لهذا التذبذُبِ والتّرنُّح. لأنّهم قد أحسّوا أخيرًا على فراغٍ كبيرٍ في ثقافتهم، وقد علموا بالتّأكيد، أنّ المشاكل التي تتعرّضُ لها لغتُهم، إنّما هي من نتائج تأثير اللغة العربية فيها؛ وهم يحاولون تصفيتَها من الكلمات العربيةِ منذ عشرات السّنين. لأنّ الكلمات العربية الموجودة في القاموس التّركيِّ قد أضفتْ على هذا اللغة صبغةً لا يكاد الإنسان التركيُّ يطمئنُّ بأنّ لغتَه خالصةٌ تتميّز بمقوّمات لغةٍ قوميةٍ يمكن الاستدلالُ بها على استقلال الثقافة التركيةِ.