قلت: ومن الحكم أيضًا أن لا تقع المباهاة بين الناس في اللباس ، فهم على حدٍ سواء غنيهم وفقيرهم ، صغيرهم وكبيرهم .
المطلب الثالث: يستثنى مما يحرم لبسه شيئان:
الأول: لبس الخفين لمن لا يجد النعلين ، لقوله:"ولا الخفاف إلا أحدٌ لا يجد النعلين فليلبس الخفين ، وليقطعهما أسفل من الكعبين".
وإلى ما دل عليه حديث ابن عمر أن من لم يجد نعلين فإنه يلبس الخفين بعد أن يقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين ذهب الجمهور (1) .
وإلى ما دل عليه حديث ابن عباس وجابر رضي الله عنهما من جواز لبسهما بدون قطع ذهب الإمام أحمد رحمه الله في المشهور عنه ، مع قول علي رضي الله عنهما:"قطع الخفين فسادٌ ، يلبسهما كما هما"، ومع موافقة القياس، فإنه ملبوس أبيح لعدم غيره فأشبه السراويل ، وقطعه لا يخرجه عن حالة الحظر ، وفيه إتلاف ماله .
وأجاب أصحابه عن حديث ابن عمر رضي الله عنهما بأنه منسوخ ، لأنه كان بالمدينة ، وحديث ابن عباس متأخر بعرفات ، والمقام مقام تعليم ، والناس متوافرون بكثرة ، والحاجة داعية إلى البيان ، ولو كان القطع واجبًا لبينه النبي
-صلى الله عليه وسلم - (2) .
وقال الجمهور: هو من باب حمل المطلق على المقيد ، لا سيما وقد اتحد الحكم والسبب ، حتى قال الخطابي رحمه الله:"أنا أتعجب من أحمد في هذا ، فإنه لا يكاد يخالف سنة تبلُغه ، وقلَّت سنة لم تبلغه" (3) .
قلت: في هذا نظر ، فإن الإمام أحمد رحمه الله قد أصاب السنة في هذا، والتعليل الذي ذكره أصحابه يدل عليه. واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (4) .
(1) …"المجموع"7/265 ،"المغني"5/121 .
(2) …"المجموع"7/265 ،"المغني"5/121 .
(3) …"معالم السنن"2/345 .
(4) …"شرح العمدة"2/23 .