فهرس الكتاب
هذه الواقعة تشهد ببعد نظره - صلى الله عليه وسلم - فقد رأى بحكمته أن يعرف رأيهم فيه، وظنهم به قبل أن يفاجئهم بأمر رسالته، وفي جو صاف خالص من الكدرات، بعيد عن الشوائب صارحوه وأجابوه على الفور ما جربنا عليك إلا صدقًا.
من هاتين الواقعتين نستيقن أن الصدق والأمانة صفتان لازمتان لمحمد - صلى الله عليه وسلم - من قبل الرسالة.
وعندما قرر الرسول - صلى الله عليه وسلم - الهجرة بعد الرسالة بنحو ثلاثة عشر سنة ترك ابن عمه علي بن أبي طالب؛ ليرد الودائع التي كانت عنده إلى أهلها.
فهو - صلى الله عليه وسلم - الصادق الأمين الذي كانت قريش تستأمنه على حاجاتها.
كذلك: نشأ - صلى الله عليه وسلم - منذ صباه يتحاشى عبادة الأصنام، وينفر من القرب منها.
كذلك: نشأ - صلى الله عليه وسلم - عزوفًا عن الملاهي، وقد هم مرتين قبل رسالته أن يسمع عزفًا بالغرابيل والمزامير، ولكن الله عصمه وألقى عليه النوم، فما أيقظه إلا مس الشمس، ولما شب - صلى الله عليه وسلم - حبب إليه الخلاء والتعبد ليالي ذوات عدد قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى البيت ويتزود لمثلها.
نسأل: أيمكن لهذا الذي عُرف بالأمانة واشتهر بالصدق بين الناس أن يتجرأ على الكذب، وأن يكون أول من يتجرأ عليه الذي يدعو الناس إليه رب الناس، ملك الناس، إله الناس؟!
ونسأل أيضًا: لماذا خرج على حكم البيئة، وللبيئة سلطانها وتأثيرها؟
لقد عاش - صلى الله عليه وسلم - أربعين سنة كاملة وسط قوم مغرقين في الجهالة منهمكين في الضلالة، فلم تنتقل إليه عدواهم، ولم تصبه بلواهم.
-ولقد مر عليه - صلى الله عليه وسلم - شرخ الشباب، وهو الوقت الذي تجيش فيه الصدور بالآمال والأماني، فلم تبدُ منه كلمة تلميح بالرسالة أو إشارة لنبوة مع ما شاهده من