الصفحة 61 من 184

أتاني تلك، فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفًا وعجفًا، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتأباه إذا قيل لها: إنه يتيم. وذلك أنا كنا نرجو المعروف من أبي الصبي.

فكنا نقول يتيم: وما عسى أن تصنع أمه وجدُّه، فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعًا غيري.

فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي، ولم آخذ مرضعًا، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم، فلآخذنه. قال: لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة.

قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا لأني لم أجد غيره. قالت: فلما أخذته رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن فشرب، وشرب معه أخوه حتى روي- المقصود بأخيه: أي ابن السيدة حليمة، فهو أخوه إذًا من الرضاعة- ثم نام وما كنا ننام معه قبل ذلك.

وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا هي حافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا ريًّا وشبعًا، فبتنا بخير ليلة.

قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة. قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك.

قالت: ثم خرجنا وركبت أنا أتاني وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما لا يقدر عليه شيء من حُمُرِهم حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب ويحك أربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجتِ عليها؟

فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي. فيقلن: والله إن لها شأنًا. قالت: ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد، وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدب منها فكانت غنمي

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت