الصفحة 47 من 346

باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين

36 -عن أبي عبد الله عليه السلام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله: من زعم أن الله يأمر بالسوء والفحشاء فقد كذب على الله، ومن زعم أن الخير والشر بغير مشيئة الله فقد أخرج الله من سلطانه، ومن زعم أن المعاصي بغير قوة الله فقد كذب على الله، ومن كذب على الله أدخله الله النار. [1]

(1) مجهول وضعيف السند، لوجود علي بن إبراهيم: القائل بتحريف القرآن، عن محمد بن عيسى: له روايات تتعارض مع القرآن الكريم، عن يونس بن عبد الرحمن.

وفي الباب أيضا: عن أبي عبد الله عليه السلام قال، سئل عن الجبر والقدر فقال: لا جبر ولا قدر ولكن منزلة بينهما، فيها الحق التي بينهما، لا يعلمها إلا العالم أو من علمها إياه العالم. (سنده: يقول المجلسي إنه ضعيف، ولكننا نقول إنه ضعيف ومرسل معا، أما ضعفه من عدة جهات، أحدها، أن صالح بن سهل من الغلاة الذي جعل الإمام الصادق إلهه وربه، وقال الإمام الصادق: إن الغلاة شر من المشركين، والعجب من الكليني الذي نقل الرواية عن رواة كهؤلاء!. راجع كسر الصنم)

وعن أبي عبدا لله عليه السلام قال: قال له رجل: جعلت فداك، أجبر الله العباد على المعاصي؟ فقال: الله أعدل من أن يجبرهم على المعاصي ثم يعذبهم عليها، فقال له: جعلت فداك ففوض الله إلى العباد؟ قال: فقال: لو فوض إليهم لم يحصرهم بالأمر والنهي، فقال له: جعلت فداك، فبينهما منزلة؟ قال: فقال: نعم أوسع ما بين السماء والأرض. (مرسل)

ويقول البرقعي: واعلم أن هذه الروايات المروية في باب الجبر والقدر والتفويض وأمر بين الأمرين، كلها مجملة ومبهمة، وكل رواية فسرت بمعنى لا يتفق مع غيرها، وهذه الروايات لم تبين كيفية الأمر بين الأمرين، وفي الحقيقة لم يبينوا مسألة، مع أن الأمر واضح لنا، بقطع النظر عن هذه الروايات، والمجلسي قد تبسط في شرح هذه الأحاديث كثيرا. انتهى

ولعله أصحّ ما يمكن روايته في هذا الموضوع، وهو موافق لآراء السلف الصالح، ما جاء في الكافي، باب الاستطاعة، الحديث الرابع:

عن عبيد بن زرارة قال: حدثني حمزة بن حمران قال: سألت أبا عبد الله عليه السلام عن الاستطاعة فلم يجبني، فدخلت عليه دخلة أخرى، فقلت: أصلحك الله، إنه قد وقع في قلبي منها شيء لا يخرجه إلا شيء أسمعه منك، قال: فإنه لا يضرك ما كان في قلبك قلت: أصلحك الله إني أقول: إن الله تبارك وتعالى لم يكلف العباد ما لا يستطيعون، ولم يكلفهم إلا ما يطيقون، وإنهم لا يصنعون شيئا من ذلك إلا بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره، قال: فقال: هذا دين الله الذي أنا عليه وآبائي، أو كما قال. (حديث مرسل)

وأمّا في مروياتنا: فلم أجد مثله في مرويات أهل السنّة. وعنوان الباب، يتطلّب تأويلا ليستقيم.

حيث أوّل ما ظهر الجدال في هذا الموضوع، كان صوت البدعة نافيا للقدر، فتصدّى الصحابة والتابعون، وأثبتوا القدر، وأكّدوا أن المنكر له كافرا، ويجب التبري منه. على أن النظرية الإسلامية النبوية، خارج إطار الجدال الدائر بين الفرق، تؤكّد، على أنه لا قدر مطلقا (جبرية) ولا اختيار مطلقا، بل منزلة بينهما، اسمها: السداد والمقاربة. وملخصها، أن أفعال العباد، إذا نظرنا إليها من جهة اللوح المحفوظ، نراها مسطّرة ونهائيّة وغير قابلة للنسخ، وإذا ما نظرنا إليها من جهة التولّد الإنساني، نراها تماثل وتقارب وسداد (تسديد) للحقيقة المسطرة والمرتقمة في اللوح المحفوظ. فالهدى في الحقيقة هو السداد، وهو التماثل والتقارب والمحاكاة للحقيقة الأولى النهائية، ونستفيد من هذا التعريف ما يلي:

-لا يخرج عمل الإنسان عمّا سطّره الله تعالى في لوح القضاء والقدر، فكلّ شيء بإرادة الله ومشيئته وقضائه وقدره.

-ولا يكلّف الله الإنسان إلا ما يطيقه من أعمال وأقوال ومواجيد.

-هذا التكليف موجّه ومؤثر فيه، من الله تعالى. (الخاطر والباعث)

-اختيار الإنسان، علامة على جهله بما سبق له في اللوح المحفوظ. فكلّما كان الإنسان على علم بعلم القضاء والقدر، شكلا أو مضمونا، كان أقلّ اختيارا في أفعاله بحسب النسبة العلمية، وكلّما كان جاهلا به، كان أكثر حيرة واختيارا، ولا ينفذ في النهاية إلا ما سبق عليه القول.

-اختيار الإنسان: هو المقاربة والتسديد، ليس غير. بحيث أن الإنسان، إنما يختار من مجموعة سيناريوهات، تؤدّي إلى ما سطّر في اللوح المحفوظ. (التيسير لما خلق له) فأي اختيار ينفذه الإنسان، سيجده مرقوما في اللوح المحفوظ.

وفي صحيح ابن حبان، باب الأدعية، ذكرُ الخبر المدحض قول من زعم أن المرء إذا كان في حالة ليس له سؤال الرّبّ جلّ وعلا الحلول من تلك الحالة، لأن هذا كلام محال:

عن أبي بردة، قال: سمعت عليا، يقول: كان النَبيّ، يقول: اللّهمّ إنّي أسألك الهدى والسّداد، وَاذكر بالهدى هِدايتك الطّريق، واذكر بالتّسديد تسديد السّهم.

وفي سنن ابن ماجة، باب في القدر:

قال عبد اللّه بن مسعود: حدّثنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم، وهو الصادق المصدوق أنه: يجمع خلق أحدكم في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث اللّه اليك الملك، فيؤمر بأربع كلمات، فيَقُولُ: أكتب عمله وأجله ورزقه وشقي أم سَعِيد، فوالذي نفسي بيده، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النَّار فيدخلها، وان أحدكم ليعمل بعمل أهل النَّار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها.

وعن ابن الديلمي، قال: وقع في نفسي شيء مِن هذا القدر، خشيت أن يفسد علي ديني وأمري، فأتيت أبي بن كعب، فقلت: أبا المنذر، انه قد وقع في نفسي شيء مِن هذا القدر، فخشيت على ديني وأمري، فحدّثني من ذلك بشيء، لعل اللّه أن ينفعني به، فقَالَ: لو أن اللّه عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم مِن أعمالهم، ولو كان لك مثل جبل أحد ذهبًا، أو مثل جبل أحد تنفقه في سبيل اللّه، ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النَّار، ولا عليك أن تأتي أخي، عبد اللّه بن مسعود فتسأله، فأتيت عبد اللّه، فسألته، فذكر مثل ما قال أبيّ، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة، فأتيت حذيفة، فسألته، فقال مثل ما قال، وقال: ائت زيد بن ثابت فاسأله، فأتيت زيد بن ثابت فسألته، فقال: سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول: لو أن اللّه عذب أهل سمواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم مِن أعمالهم، ولو كان لك مثل أحد ذهبًا أو مثل جبل أحد تنفقته في سبيل اللّه ما قبَلَه منك حتى تؤمِن بالقدر كله، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النَّار.

وعن علي قال: كنا جلوسا عند النبي صلى اللّه عليه وسلم وبيده عود، فنكت في الأرض ثم رفع رأسه فقال: ما منكم مِن أحد إلا وقد كتب مقعده مِن الجنة ومقعده من النّار، قيل: يا رسول اللّه، أفلا نتكل؟ قال: لا، اعملوا ولا تتكلوا، فكل ميسر لما خلق له، ثم قرأ {فأما مِن أعطى واتقى وصدق بالحسنى، فسنيسره لليسرى، وأما من بخل واستغنى، وكذب بالحسنى، فسنيسره للعسرى} .5 - 10 الليل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت