فهرس الكتاب

الصفحة 109 من 255

وفي حديث آخر يقول النبيّ صلّى الله عليه وسلّم: (( ثمّ إنّي رفعت إلى الجنّة فاستقبلتني جارية، فقلت لمن أنت يا جارية؟ قالت لزيد بن حارثة، وإذا بأنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغيّر طعمه وأنهار من خمر لذيذة للشاربين، وأنهار من عسل مصفّى وإذا رمَانها كالدلاء عِظمًا وإذا أنا بطيرها كأنّها يخنكم هذه ) ) [1] .

وهكذا أغنت الثقافة الدينية الرحلات الخياليّة فأمدتها بالمادة الفكرية والثقافية التي حملت شيئًا من روح التجربة الشعرية.

ثالثًا- الثقافة الفلسفية:

أمدت الفلسفة الرحلات الخياليّة بمادتها الفكرية وآرائها التي حملها الشعراء معهم في رحلاتهم وأرادوا التعبير عنها.

* التأثّر بالفلسفة العربية:

لقد كانت فلسفة أبي العلاء المعرّي، القائمة على التشاؤم ممّا في الحياة من شرور بالإضافة إلى الشكوك التي قضى حياته في غيهبها، أكثر هذه الفلسفات تأثّيرًا في شعراء الرحلات الخياليّة.

ولعلّ جميل صدقي الزهاوي أبرز شعراء الرحلات الذين تأثّروا بفلسفة المعرّي الشكوكيّة في مطوّلته (( ثورة في الجحيم ) )فهو يظهر شكّه بقدرة الدين على صنع الحياة الأمثل للإنسان، ويجاهر بريبته في أسس المعتقد الديني كالبعث والجنّ والملائكة والصراط والله، ولا يدين إلاّ بدين العقل كما هو حال المعرّي، فيقول الزهاوي:

غيرَ أنّي أرتَابُ في كلِّ ما قَدْ ... عَجَزَ العَقَلُ عنهُ والتّفكيرُ [2]

وهو يردّد هنا قول المعري:

كذبَ الظّنُّ لا إمامَ سِوى العقـ ... ـلِ مُشيرًا في صُبحِهِ والمَساءِ [3]

وقد أراد الزهاوي أن يعلي شأن فلسفة أبي العلاء المعرّي فجعله في مقدّمة الشعراء الملقين في جحيمه، فيقول:

ثمَّ حيّانِي أحمدُ المُتنبّي ... والمعرّي الشّيخُ وهْو ضَريرُ

(1) المصدر نفسه، ص: 50.

(2) الزهاوي، جميل، الديوان، ص: 720.

(3) نقلًا عن، ضيف، شوقي، الفن ومذاهبه في الشعر العربي، دار المعارف، مصر، ط تاسعة، ص: 391.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت