فهرس الكتاب
وهكذا تبيّن بوضوح أثر الثّراء الفكري الفلسفي في إغناء الرحلات الخيالية ومدّها بالفكر والثقافة التي حملت في ثناياها هموم الأديب ورسمت موقفه من الحياة والفن والأدب كما أنّها قد تلوّنت بمشاعره العاطفية فكانت مرّة مشعّة بالتفاؤل والأمل وأخرى ملفّعة بالسوداوية والتشاؤم.
رابعًا: الثقافة العلمية:
وللثقافة بكلّ اتجاهاتها الفلكية والطبيعية والأدبية أثرها الواضح في الرحلات الخيالية فقد أمدّتها بمادتها الثقافية وأفكارها التي حملت روح التجربة الشعرية، فتحوّلت من مجرد أفكار عقلية تقريرية إلى رؤى تحمل المشاعر العاطفية وتتلوّن بالأحاسيس الإنسانية.
وتأتي العلوم الفلكية في مقدمة هذه العلوم، فقد بنى الفراتي رحلته الخيالية"الكوميديا السماوية"على أساس هذه العلوم، وكان مطلعًا فيها، فقد ألّف تفسيرًا للآيات الكونية في القرآن الكريم يتّفق مع أحدث النظريات العلمية في هذا الميدان، وله مؤلفات أخرى كلّها مخطوطة كان يخاف من نشرها لأنّه كان"يخشى أن يثير عليه علماء السوء في بلده فيحدث له أمور لا يرضى أن تثار بعد أن بلغ من العمر عتيًا" [1] .
وبدا تأثّره في عناوين الأناشيد الفرعية، ومنها: حلم في المريخ، وما وراء الطبيعة، وكوكب العباقرة، وكوكب الزنادقة، وكوكب الشعراء، إضافة إلى أنّه يذكر أسماء ومقاييس ترتبط بهذه العلوم، فيقول:
هَبطْنَا إلى المريخِ ليلًا فعاقَنَا ... عنِ السيّرِ في سِيسا الظّلامُ المُخَيّمُ
و (سِيسا) بلحنِ القَومِ فيما عرفْتُهُ ... عُبابُ خِضمّ بالمخاطرِ مُفعَمُ [2]
وفي موضع آخر يقول على لسان الرجل المريخي"رفائيل":
عبدْنَا القُوى حينًا ومن جُملة الّذي ... عبدْنَا (سيا رابا) و (هيتا) و (مي سم) [3]
(1) الحريري، محمد علي، الفراتي في عالم النسيان، مجلة الفيصل، العدد 34، 1980.
(2) الفراتي، محمد، الكوميديا السماوية، مجلة الحديث، مج 31- ع3-4، ص: 144.
(3) المصدر السابق، ع 3-4، ص:153.