فهرس الكتاب
وثورة الزهاوي في الجحيم كانت ثورة للعلم والفلسفة ضد الميتافزيقيا الدينية. وقد تأثّر الزهاوي إجمالًا بمعطيات العلوم في عصره حتّى غلبت الروح العلمية على شعره [1] . فتأثّر بمطالعاته لمجلّة المقتطف المصرية التي أخذت تصل بغداد تباعًا فيجد فيها ضالته من الأبحاث العلمية والفلسفية زد على ذلك كلّه مطالعاته لكتابات الدكتور ورتبات في الفسلجة والتشريح، ولا يخفى على أحد تأثّره الواضح بتلك العلوم في ثورته الجحيمية، وثورته على العقل الغيبي بقوله:
قلتُ لله في السَماوات والأَرْ ... ض وما بينهُنَّ خلقٌ كثيرُ
غيرَ أنّي أرتابُ في كلّ ما قدْ ... عَجزَ العقلُ عنهُ والتّفكِيرُ [2]
أو نحو قوله:
ما لكلِّ الأكوانِ إلاّ إلهٌ ... واحدٌ لا يزالُ وهْوَ الأثيرُ
ليسَ بينَ الأثيرِ واللهِ فرقٌ ... في سوى اللفظِ إنْ هداكَ الشّعورُ [3]
فالأثير: مصطلح علمي فيزيائي يطلق على الهواء الذي يحمل الموجات الصوتية، ولولا معرفة الزهاوي بمثل هذه المصطلحات العلمية لما أطلقها هنا في قصيدته.
ونلحظ في جحيمه معظم الشخصيات العلمية والفكرية والفلسفية في العالم على خلاف ما وضع دانته في جحيمه، إذا كان نزوع الأخير سياسيًا دينيًا، أمّا الزهاوي فنزوعه علمّي فلسفيّ. لذا وضع هذه النخبة من العلماء، فيقول:
ثمّ كوبرنيكُ الذي كانَ قدْ أفـ ... همَنا أنّ الأرضَ جُرْمُ يدورُ
تتبعُ الشّمسَ أينما هيَ سارتْ ... وعليها مِثْلُ الفِراشِ تطورُ
ثمّ دروينُ وهْوَ مَنْ قَالَ إنّا ... نسلُ قردٍ قضتْ عليهِ الدّهورُ [4]
(1) ينظر، ضيف، شوقي، دراسات في الشعر المعاصر، مقال عن الزهاوي بعنوان (العلم في شعر الزهاوي) .
(2) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص 720.
(3) المصدر نفسه، ص:722.
(4) المصدر نفسه: ص:733