فهرس الكتاب
كما أفاد الشعراء من الثقافة الأدبية والتراثية في بناء بعض الرحلات الخيالية،"فحلم الهراء"في مطوّلة عبقر بناه شفيق معلوف على قصة رواها صاحب الأغاني عن نبوّة أميّة بن أبي الصّلت. وبمقارنة بسيطة بين القصتين نلمس التأثّر الواضح بينهما. وملخّص القصة عند شفيق أنّ الشاعر ينام لينشق السقف عن طائرين يجثمان بالقرب منه، فيقترب أحدهم ويبضع صدره ليخرج قلبه فيجده قد جبل على الشرّ والرياء والحسد وقد بات مأوّى للنقائص، فيعيده ويستيقظ الشاعر ليجد الخواء في روحه، فيقول:
ومالَ مَغلوبًا على أَمرِهِ ... أميّةُ وغَلّ في مضجَعِهِ
فكشَفَ الطّائِرُ عَن صَدرِهِ ... وأَرجَعَ القَلبَ إلى موضعِهِ
حتّى إذا أميّة أضحَى ... ألوى بكفيهِ على جنبهِ
فلمْ يجدْ دَمًا ولا جُرحًا ... لكن أحسَّ الجرحَ من قلبهِ [1]
أمّا رواية الأغاني فتقول:"دخل يومًا أميّة بن أبي الصّلت على أخته وهي تهيّئ أدمًا لها فأدركه النوم فنام على سرير في ناحية البيت قال: فانشقّ جانب من سقف البيت وإذا بطائرين قد وقع أحدهما على صدره ووقف الآخر مكانه، فشقّ الواقع صدره فأخرج قلبه فشقّه، فقال الطائر الواقف للطائر الذي على صدره: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى. قال: فردّ قلبه في موضعه فنهض فأتبعهما أميّة طرفه فقال:"
لبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما
لا برئ فأعتذر ولا ذو عشيرة فأنتصر، فرجع الطائر على صدره فشقّه ثمّ أخرج قلبه فشقَه، فقال الطائر الأعلى: أوعى قال: وعى، قال: أقبل؟ قال: أبى، ونهض، فأتبعهما بصره، وقال:
لبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما
لا مال يغنيني ولا عشيرة تحميني، فرجع الطائر فوقع على صدره فشقّه ثمّ أخرج قلبه فشقّه، فقال الطائر الأعلى: أوعى؟ قال: وعى. قال: أقبل؟ قال: أبى، ونهض فأتبعهما نظره، وقال:
لبيكما لبيكما ... هأنذا لديكما
إن تغفرِ اللّهمّ تغفرْ جمّا ... وأيُّ عبدٍ لكَ لا ألمّا
(1) معلوف، شفيق، عبقر، ص:232.