فهرس الكتاب

الصفحة 120 من 255

لقيت مسألة الموت والحياة اهتمامًا كبيرًا من شعراء الرحلة الخياليّة وتباينت مواقفهم منها، وبدا نزوعهم في معالجة هذه المسألة رومانتيكيًا تغلّفه غلالة من الألم والتشاؤم. ولم تكن هذه النزعة نتيجة الواقع العربي فحسب فقد كان الشعراء متأثّرين بالشعر الغربي ولا سيما الرومانتيكي.

ولعلّ أبرز من عالج هذه المسألة الشاعر محمد عبد المعطي الهمشري الذي وقف على شرفة التساؤل عن مصير الإنسان، فراح يتنقّل في شاطئ الأعراف ليعاني الأهوال، ولكن من غير استسلام للرؤية السوداوية، فقد راح يجترح الحياة وسط الموت، والنور وسط الظلمة.

ومن خلال هذه الثنائيات الضديّة يثبت لنا تشبّثه بالحياة وتعلّقه بها، وهذه الثنائيات هي:

الموت والحياة، والحبّ والكراهيّة، والنور والظلام، والموسيقا والزفيف، والجمال والقبح.

والشاعر يتشبّث بالحبّ، فهو صنو الحياة يقول:

أيّها الحبُّ أنتَ للموتِ موتٌ ... ذُو غِلابٍ على البِلى مُستخفُّ

أنتَ صُنو الحياةِ وارِثةِ المو ... تِ ونور على الإلهِ يرفُّ

سوفَ تبقى بعدَ الفَناءِ سَبوحًا ... في فضاءٍ من الأثيرِ يشفُّ [1]

فالشاعر يرى في الحبّ سبيلًا إلى الخلاص، لأنّه يمثّل نزوع الإنسان إلى الخلود، وبالحبّ تصفو نفسه، ويخلد، ويستطيع الانتصار على الفناء.

ويعرض شفيق معلوف لمسألة الموت والحياة من خلال أسطورة الفينيق، فيبدي إعجابه بهذا الطائر الذي يقبل الموت من أجل حياة جديدة، وينعى على طيور أخرى ضعيفة منطوية على نفسها لا تعرف سوى الموت يقول:

مَا عجبي لفينِق مُوقدٍ ... لنفسهِ النّارَ على المِحرقهْ

ولا لرُخّ رأسهُ في العُلى ... ورجُلهُ على الثّرى مُوثقهْ

ولا لعنقاءٍ وقدْ أمعنَتْ ... في نومِها الدّهري مُستغرقهْ

بلْ لطُيورٍ مِثْلِها ضخمةٍ ... أوكارُها الجماجمُ الضيّقهْ [2]

(1) شرف، عبد العزيز، الهشري شاعر أبولو، ص:120.

(2) المعلوف، شفيق، عبقر، ص: 269-270.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت