فهرس الكتاب

الصفحة 121 من 255

وفي موضع آخر من أناشيد عبقر يخاطب لقمان نسوره السبعة، ويعبّر عن تشبثه بالحياة في مواجهة الموت، فيقول:

فخلّني أحظَ بأمنيّتي ... وخلّني أجنِ الغراسَ الّتي

نصبْتُها منذُ عامْ

كمْ ليَ في الحياةِ مِنْ مأربٍ ... فالشّطُّ ما لاصقَهُ مَركبي

لألقيَ المِرسَاهْ

كلاّ ولا أفرغْتُها كأسي ... حتّى بعينيَّ أرى نفْسي

تفارقُ الحياهْ [1]

فالموت لدى شفيق معلوف بلاء نازل وشحوب بعد الزهو والنضار، وظلمة بعد نور، ولكن مهما بلغت سطوة هذا الموت وسلطانه فإنّه لا يصل إلى الأحلام الخالدة التي تنطق بها أرواح الموتى، يقول في نشيد العبقريّين:

لكنّما احلامُنَا لمْ تَزلْ ... ترقُصُ سكْرى فوقَ غُلفِ المُقلْ

حاملة للنّاسِ خمرَ الهَوى ... مُشعّةً خلفَ كؤوسِ الأملْ [2]

ويرى نسيب عريضة الحياة عبثًا وفوضى، لذا يجزع عندما يرى الأيام تنقضي ما بين غروب وفجر، وإذا كان الموت مصير هذه النفس فمن العبث قضاؤها في جهد وجدّ، أو خمول وكسل، فهي ضياع وتيه لذا يقول:

ما نفعُ جَهْدٍ ووجْدٍ ... ما بينَ ليلٍ وفجرِ

إنْ سرتَ أو طرتَ إنّا ... باقونَ في تيهِ قَفرِ [3]

ولا يكاد فوزي معلوف يميّز بين صرخة الولادة وشهقة الموت، يقول:

إنّ بين السّريرِ والنّعْشِ خطوا ... تٍ دَعَوْهَا الوجودَ وهي بعكسِهْ [4]

ولعلّ معلوف يردّد هنا صرخة المعرّي حيث يقول:

غيرُ مجدٍ في ملتي واعتقادي ... نوحُ باكٍ ولا ترنُّمُ شَادِي

وشبيهٌ صوتُ النعيّ إذا قيـ ... سَ بصوتِ البشيرِ في كلّ نادِي

أبكَتْ تِلكُمُ الحَمامةُ أمْ غنَّـ ... تْ على فرعِ غصْنِها الميَّادِ [5]

فالمعرّي يرقى إلى مستوى إنساني حين يدرك أنّ الولادة والموت هما طرفان لظاهرة واحدة هي الحياة.

(1) المصدر نفسه ص:300

(2) المصدر نفسه، ص:316

(3) عريضة، نسيب، الأرواح الحائرة، ص:188.

(4) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:150

(5) المعري، أبو العلاء، سقط الزند، تصحيح: إبراهيم الزين، دار الفكر، بيروت، 1965، ص:7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت