فهرس الكتاب

الصفحة 122 من 255

ومعلوف يدانيه في التعبير حين يرى ظاهرة الوجود الممتدّة بين المهد واللحد هي العدم عينه، ومثل هذه الرؤية العميقة لا تأتي إلاّ لروح شاعريّة مترعة بالعمق الإنساني الشفّاف الذي يجلو صدأ الغموض عن فلسفة الحياة والموت ليصل إلى هذا السرّ العظيم، ولذا بات الفرق معدومًا بين الموت والحياة في رؤيته ما دام يشعر أنّه عبد لكليهما مقيّد بهما، ولا خلاص من هذه العبودية إلاّ بالحريّة والخلود، ذلك الحلم الذي داعب مخيّلة الإنسان منذ بدء الخليقة، وسيظل إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها.

ويظهر الشكّ واضحًا في قصيدة"المعرّي يُبْصر"لأنيس المقدسي فالقصيدة تعبّر عن الشكّ في وجود محرّك للكون مدير له، لأنّ الكون كلّه محض تكرار أو دائرة مغلقة ولا معنى لها، يقول الشاعر:

يقولُونَ الحياةُ بَدتْ قديمًا ... بلا مُحيٍ سِوى كرِّ الدّهورِ

فلا قصدٌ لشيءٍ في البَرايا ... وليسَ لهنَّ مِن بارٍ قديرِ

وكلّ حوادثِ الأيامِ طَلٌّ ... وكلُّ بداءةٍ مثلُ المصيرِ

ودائرةُ الحياةِ بلا نظام ... ولا غرضٍ تدور ولا مديرِ [1]

ويرتبط الموت والحياة ارتباطًا وثيقًا بالعقيدة الدينية عند عبد الفتاح رواس القلعجي في ملحمة (القيامة) ، فالموت طريق موصل إلى ساعة القيامة، ولكنّه ليس الموت المرتبط بالإنسان فحسب، بل الموت الكوني الذي يموت فيه الموت نفسه ويبقى بارئ الكون فقط، يقول الشاعر:

قَبضَ اللهُ حياةَ الطّيرِ والوحشِ

وما في الأرضِ مِنْ جنسِ الهوامِ

قبضَ اللهُ نفوسَ الجانِ

قبضَ القادرُ أرواحَ الملائكِ

وعلى الكرسي ماتَ الموتُ

ثمّ في راحتهِ اللاتنتهي

ارتصّ الزّمانُ بالمكانِ

ادّغَما

ثمّ ماتا [2]

أما صورة الحياة فهي صورة نوعيّة تلبس الخلود ثوبًا، ذلك الحلم القديم، ولكنّه خلود ذو وجهين متناقضين: الأوّل: يمثل السعادة والهناء والرخاء لا تملّ النفوس هناءته.

(1) المقدسي، أنيس، المورد الصافي، ع 10، ص:330.

(2) القلعجي، عبد الفتاح، القيامة، ص:21

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت