فهرس الكتاب
والثاني: خلود الحسرة والعذاب والألم والشدّة والكرب والعويل والصراخ، خلود تجدّد من أجل العذاب (كلّما نضجتْ جلودهُمْ بدّلناهُمْ جلودًا غيرها) [1] ويضمنّها الشاعر شعره، فيقول:
كلّما.. نَضجَت من الجمرِ جلودُهُمْ
بدّلها اللهُ جلودًا أخرى [2]
ويعمّق الشاعر حسّ الخلود المأسوي لدى أهل النار وخلود السعادة لأهل الجنّة في آخر أبواب الملحمة حين يذبح الموت، ليتأبّد فرح أهل الجنّة وحزن أهل النار، ولتنتهي بذبح الموت مأساة الإنسان وأمل الإنسان، وتكون الدنيا حلمًا تقطعه صرخة الولادة وشهقة الموت.
لقد نظر شعراء الرحلات إلى الموت والحياة نظرات متباينة، فهما -أي الموت والحياة- ندّان متلازمان لدى محمد عبد المعطي الهمشري والموت ضرورة طبيعيّة لاستمرار الحياة. فلم يعد الموت بعد الرحلة لدى الهمشري ذلك الجانب المرعب في حياتنا ما دام ثمّة حياة أخرى نصنعها بالحبّ والجمال، في حين لم تتجاوز رؤية شفيق معلوف النظرة السطحيّة للمسألة، ولم يعمّق أفكاره أو يستفد من الرمزيّة الشفّافة التي تنبض بها أسطورة الفينيق أو الرخ أو العنقاء، وكانت الرؤية أكثر شفافية لدى فوزي في قصيدته (على بساط الريح) إذ بدا التلازم واضحًا بين الموت والحياة واندغامهما في قيد الشاعر المثقل لروحه فكلاهما مستعبد له، فالحياة في ظلّ العبوديّة موت للإنسان، والموت ما لم يقد للخلود عبودية. وبقيت النزعة الشكوكية غالبة على رؤية المقدسي ونسيب عريضة، في حين انتصرت عقيدة الحياة لدى عبد الفتاح القلعجي وإن كانت ذات بعدين متباينين: شقيّ وسعيد.
-الدين والعلم:
(1) سورة النساء، آية: 56.
(2) المصدر السابق، ص:135.