فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 255

إنّ ظهور مسألة العلم والدين غريب في واقعنا الديني والاجتماعي والسياسي، فهي نبتة أوربيّة كانت ثمرة الصراع الطويل بين الكنيسة وعلماء أوربة فقد جلست أوربة زمانًا تقتات على مائدة الحضارة الإغريقيّة، ثمّ ما لبثت أن غرقت في ظلام الوثنية، ثمّ جاءت المسيحيّة لتطهرّها من أوضار الوثنية وتكون المخلّص لها، ولكن سرعان ما انحرف رجال الكنيسة بالدين المسيحي عن أصله في سبيل تحقيق مآربهم الشخصية، وللمحافظة على نفوذ الكنيسة لا بدّ من قمع كلّ محاولة يمكن أن تفتح الأعين على جهالة الكنيسة وزيف سلطتها المطلقة (فقد عُدّ من أحرق من العلماء العاملين والمؤلفين والمفكرين في أوربة لذلك العهد فبلغ خمسة وثلاثين ألف عالم ومفكر، فلمّا جاء القرن الخامس عشر كانت النفوس قد حقدت أشد الحقد على رجال الكنيسة الذين أسرفوا في الانتصار لأصولهم المنحرفة" [1] ."

ولهذه الأسباب نشأ العلم في أوربة معاديًا للدين، ومع النهضة العربية في مطلع هذا القرن أخذ بعض المفكرين المعطيات الغربية -للأسف- دون تدبّرها وعرضها على الواقع العربي.

وقد لوحظ أن بعض شعراء الرحلات انتصروا للعلم ضدّ الدين، ولكنّ هذا الانتصار لم يكن إلاّ من خلال التقليد الأعمى للغرب.

وتبدو هذه الفلسفة الوضعيّة في هجوم الزهاوي على كلّ المعتقدات الدينية التي سخر منها بمرارة، فهو لا يعرف الله إلاّ وفق المعطيات العلميّة، فهو عنده -عزّ وجلّ- شكل من أشكال الأثير يقول:

إنّما عِلميْ كلُّه هُو أنْ م ... اللّهَ حيُّ وأنّه لا يبورُ

ما لكلِّ الأكوانِ إلاّ إلهٌ ... واحدٌ لا يزولُ وهْو الأثيرُ [2]

(1) السامرائي، نعمان عبد الرزاق، العلاقة بين العلم والدين، ط أولى، 1984، الرياض، ص:37.

(2) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:722.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت