فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 255

وهكذا فقد انتصر الزّهاوي للعلم بحماسة شديدة في مواجهة الدين ممّا حدا به إلى إنكار كلّ المعتقدات الدينيّة، غير أنّ الفراتي وازن في شيء من الحذر بين العلم والدين، فهو لم ينتصر للملاحدة الذين ناصروا العلم على الدين فأنكروا الله وسفّهوا أحلام المرسلين، ولم يؤيّد المتظاهرين بالتديّن كالدراويش والصوفيّة وبعض الزهاد.

-الروح والجسد:

أثار بعض الشعراء في رحلاتهم الخياليّة مشكلة الروح والجسد، وعبّروا عن إحساسهم بالصراع بينهما، وبرز هذا الصراع في قصيدة"على بساط الريح"لفوزي معلوف، فمنذ بداية القصيدة يريد فوزي التحليق بروحه لا بجسده، لاعتقاده أنّ الجسد يثقل عند التحليق، فهو لحم وعظم ودم وأصله من تراب. وتتعمّق هذه الرؤية للجسد في نشيد (العبد) . إذ الجسد لديه عبودية لما له من رغبات وأهواء وانفعالات تقيّده، فيقول:

أنا في قبضةِ العبوديّةِ العمـ ... ياءِ أعمى مسيّرّ بغرورهْ

إنّ جسمي عبدٌ لعقلي وعقلي ... عبدُ قلبي والقلبُ عبدُ شعورهْ

وشعوري عبدٌ لحسّي وحسّي ... هو عبدُ الجمالِ يحيا بنورِهْ

كلُّ ما بي في الكونِ أعمى ومنقا ... دٌ على رغمهِ لأعمى نظيرهْ [1]

ويقابل الجسد الروح التي هي الخلاص والحريّة والشعلة التي لا تنطفئ فعندما يضرب فوزي بروحه بعيدًا في آفاق الخيال تصير كلّ الكائنات له حاشية وأتباعًا، لذا يقول عن نفسه حين تتخفّف روحه من أدران الجسد:

مَلِكٌ قبّةُ السّماءِ لهُ قَصـ ... رٌ وقلبُ الأثيرِ مَسرَحُ حكمِهْ

ضاربٌ في الفضاءِ موكبُهُ النّـ م ... ورُ وأتباعُهُ عرائسُ حُلْمِهْ

ملكٌ ركنُهُ الهواءُ وما أقْـ ... واهُ رُكنًا قامَ الخلودُ بدعمِهْ [2]

وقصيدة المعلوف هذه تمجيد للروح في مقابل الجسد، ومحاولة خلاص صادقة من قيود الجسد الراسفة إلى فضاء الحريّة.

والشاعر ينتصر للروح، ويرى أنّ الإنسان في الأرض محض تراب، فيقول:

هُو في الأرض حفنةٌ من ترابِ

(1) المعلوف، فوزي، على بساط الريح، ص:79.

(2) المصدر نفسه، ص63.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت