فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 255

فأبُوهُ

طينٌ ومَاءْ [1]

ولذلك فالإنسان يحيا للشرّ في الأرض، ولا يسمو إلاّ عندما تتحرّر روحه، ويتخلّص من ربقة الجسد، وعندئذ يتحلّل جسده، ويغدو غذاءً تحيا به الزهور فيقول:

هُو يحيَا للشّر فالشّرُّ يحيَا ... أبدًا حيثُ حلَّ شؤمُ رِكابِهْ

وهْو لا ينفعُ البسيطةَ إلاّ ... حيثُ يثوي في القبرِ بينَ رحابِهْ

حينَ يمتصّهُ الثّرى فيغذّي ... منهُ ما في الأديم منْ أعْشَابِهْ

يا لعَمْرِي كلُّ النباتِ الذي في الـ ... كونِ من زهرهِ إلى لبلابِهْ

ليسَ إلاّ عصيرُ أجسامِ مَن ما ... توا فزانوا الثّرى بأجملَ ما بِهْ [2]

ولعلّه بذلك يشير من طرف خفي إلى القول بأنّ المادة لا تفنى وإنّما هي في تحوّل دائم.

وتبدو الروح في قصيدة نسيب عريضة"على طريق إرم"سبيل الإنسان المعاصر للوصول إلى السعادة وإلى النبع الفيّاض الذي لا ينضب، لذا يخاطب نفسه قائلًا:

يا نفسُ رِفقًا ومَهلًا ... فأنتِ ظَعني ورَحلِي

فاصمتْ وسِرْ في السكونِ ... على طريق الجنونِ

لعلّه بعدَ حينِ ... يبدوُ لنا وجهُ ربّي [3]

ولعلّ الشاعر في عيشه وسط النهضة الماديّة الصناعيّة في أمريكا قد لمس بروحه الشفّافة عجز المادة العلميّة عن تحقيق السعادة، فلذلك لجأ إلى الروح.

ويظهر لدى شعراء الرحلات الخياليّة التعبير عن الصراع بين العقل والنفس، أو المعرفة والحبّ، وهذا الصراع هو امتداد للصراع بين الجسد والروح، ولقد شكّ بعض الشعراء بمقدرة العقل على تحقيق المعرفة الكليّة وفي ذلك يقول أنيس المقدسي:

وليسَ العلمُ يروي نفسَ صادٍ ... فما علمُ الأنامِ سوى رجوم [4]

وتطلّع الشاعر نفسه بالمقابل إلى الحبّ بوصفه طاقة روحيّة قادرة على تحقيق التواصل والسمو بالروح، وهو يقول في ذلك:

هلِ الدّنيا سوى قلبٍ شريفٍ ... يُجاهدُ في سبيلِ الوَاجباتِ

(1) المصدر نفسه، ص:133.

(2) المصدر السابق، ص:135.

(3) عريضة، نسيب، الأرواح الحائرة، ص:195.

(4) المقدسي، أنيس، المورد الصافي، ع 10، ص:335.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت