فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 255

وبخلاف ذلك كلّه، يعبّر شفيق معلوف عن نزوع نحو الجسد وبُعد عن الروح إذ يصوّر جنيّة تملّ روحها الخالدة، وتعرضها للبيع مُقابل متعة جسديّة فتقول:

ما نفعُ روحٍ خالدٍ عشتُ فيهْ ... ما زلتُ لم أحضنْ ولم أُحتضَنْ

يا حاملَ الجسم ألا أعطنيهْ ... وخذْ إذا شئتَ خلودي ثَمَنْ

روحيَ لا يَبلى فمنْ يرتضيهْ ... أحملُ ما في جسمهِ من شجَنْ

وشاحيَ النّاريّ من يشتريهْ ... فإنّني أبيعهُ بالكَفنْ [1]

وينزع الزّهاوي أيضًا إلى تمجيد العقل وإنكار كلّ ما عداه، بل إنّه يكفر بالروح ويدعو إلى ماديّة واضحة، فيقول:

غيرَ أنّي أرتابُ في كلّ ما قَدْ ... عجزَ العقلُ عنهُ والتّفكيرُ [2]

وفي جوابه للملكين حين يسألانه عن هاروت وماروت ويأجوج ومأجوج يقول:

قلتُ ما لي بكلّ ذلكَ علمٌ ... فبجحدي عقلي عليّ يشورُ [3]

وفي موضع آخر يقول:

ثمّ تلاّني للجبينِ وقَالا ... ليَ ذُقْ أنْتَ الفيلسوفُ الكبيرُ

قلتُ صَفْحًا فكلُّ فلسفتي قَدْ ... كانَ ممّا يمليهِ عقلي الصغيرُ [4]

ولقد عبّر شعراء الرحلات الخياليّة عن الصراع بين الروحانية والماديّة ورأى أغلبهم أنّ الحياة السعيدة الهانئة لا يصلح أساسًا لبنيانها إلاّ قيامها على الروحانيّة واختلف عنهم شفيق معلوف في تعلّقه بالجسد وغالى من بعده الزهاوي في تمجيد العقل وإنكار الروح.

-الجبر والاختيار:

تعرّض محمد الفراتي لمشكلة الجبر والاختيار في قصيدته (في حانة إبليس) حين أظهر إبليس وهو يفضّل العنصر الشيطانيّ على العنصر البشريّ، فيقول:

فآدمُ كانَ مِن طينٍ ... ومن نارٍ بَرى نَبْعِي

ولا يسمو سموَّ النّا ... رِ ذاكَ الطينُ، بالطبعِ [5]

وهو يتفق في هذا التجديف مع بيتي بشار بن برد في قوله:

إبليسُ خيرٌ مِنْ أبيكُمْ أدَمَ ... فَتبيّنوا يا معشَر الفجّارِ

(1) المعلوف، شفيق، عبقر، ص:181.

(2) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:720.

(3) المصدر نفسه، ص:7725

(4) المصدر نفسه، ص726.

(5) الفراتي، محمد، النفحات، ص273.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت