فهرس الكتاب
ويبلغ الاعتراض على إرادة الله لدى الحلاّج درجة التجديف، على نحو ما صوّره الزّهاوي، إذ يتّهم القدر بالخطأ، فيقول:
لِمَ شئتَ العذابَ لي ولماذا ... لمْ تُجرني منهُ وأنتَ المجيرُ
كانَ في الدّنيا القتلُ منهم نصيبي ... ونَصيبي اليومَ العذابُ العسيرُ
قلتَ: إنّ المقدورَ لا بدّ منهُ ... أوَ حتّى إنْ أخطأ المقدورُ [1]
والشيطان في تصوّر العقّاد مجبر على الشرّ، وليس مخيرًا فيه، ولو أنّه حاول أن يكون خيّرًا لخالف الإرادة الإلهيّة، ولعوقب، وبذلك فهو مجبر، لا مخيّر، فيقول في ترجمة شيطان:
خِلقةٌ شاءَ لها اللّه الكُنودْ ... وأبى منها وفاءَ الشّاكرِ
قدّرَ السّوءَ لها قبلَ الوجودْ ... وتعالى من عليمٍ قادرِ
قال: كوني محنةً للأبرياءْ ... فأطاعَتْ يا لها من فاجرهْ
ولو اسطاعتْ خلافًا للقضاءْ ... لاستحقّتْ منهُ لعنَ الآخرهْ [2]
ويتمنّى الشحرور عند محمد حسن فقّي في قصيدته"الكون والشاعر"لو كان طاووسًا يزهو بحلته وزينته، أو قمريًّا يملأ الكون بأنغامه التي أودع الحبّ فيها تحنانه، لكنّه لم يستسلم لقدره، فيقول:
لكنّني والقُبحُ لي ميْسَمٌ ... كنتُ على المذبحِ قُربانَهُ
أظلُّ دامي القلبِ من لعنَةٍ ... فهلْ أنا الخالقُ خسرانَهُ
لو صغتُ نفسي كنتُ فنّانَها ... وكنتُ بادي الحسنِ فتّانَهُ
إنْ أخطأ الجاهلُ في وزنهِ ... صححتِ الأقدارُ ميزانَهُ [3]
ويلاحظ التعبير الانفعالي لدى معظم الشعراء عن مشكلة الجبر والاختيار من خلال شخصيات ثائرة ناقمة تتمثّل على الأغلب في شخصيّة إبليس، كما يلاحظ اقتراب بعضهم من التجديف، ولا سيما الزهاوي.
(1) الزهاوي، جميل صدقي، الديوان، ص:734.
(2) العقاد، عباس، الديوان، ص:272.
(3) ساسي، محمد طاهر، شعراء الحجاز في العصر الحديث، ص: 51.